ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال انني من المسلمين      جديد الموقع :      قصة التاج      علم الله تعالى... بين المشيئة والتقدير والقضاء               

 

                                         

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 من الكارثة إلى الحق المبين

 

هكذا  جاء  الخبر  يهز  البلدة  الكبيرة  ،  ثم  يهز  مئات  النـــاس  الذين  قرأوه  في الصحف :

« على طريق ضمن الأراضي السعودية جنحت سيارة وتحطمت وكان فيها أسرة كاملة : فلان وزوجته وأربع بنيات . قتلت الزوجة وثلاث بنات ونجا  الأب وبنت واحدة هي الصغرى . »

كنت أعرفه جيداً فهو أحد أنسبائي  ، مهندس ، يعمل في المملكة العربية السعودية في إحدى الشركات الكبرى ، كان حريصاً على دينه ، ومن هذه الزاوية  تنامت علاقتي به إضافة إلى القرابة ، هادىء الطبع بشكل مميز ، أسئلته عميقة ورصينة ، منفتح على الآخرين ، محب و محبوب بالنسبة لأهله وأقاربه ، شديد التعلق بأسرته  ، كانت تبعثه الشركة بمهمات خارج المملكة ، فيحرص في كل رحلة إذا أمكنه ذلك أن يصطحب معه زوجته ( دانة ) هي كانت أهلاً لصحبته ومحبته ، متدينة ، خلوقة ، كل صفاتها محببة ، وباختصار ، كانت صبية فاضلة مميزة .

أما بناته اللواتي استشهدن مع أمهن ، فكنَّ كذلك سويات ذكيات وجميلات كبراهن في الثانية عشرة . وطبعاً حبه واهتمامه كان منصباً على هذه الأسرة الهادئة الهانئة لا يشغله عنها بعد أداء عمله في المؤسسة شيء .

وقع الحادث ، حيث كان مسافراً إلى عمله عائداً من موطنه الأصلي لبنان ، بعد أن قضى فيه كعادته كل سنة عطلة الصيف .

كانت سيارته - وهي من عناصر الكارثة -  فخمة ضخمة - يلقبونها  عالمياً  « الشبح » وكان طبعاً أعدها وهيأها للسفر كما ينبغي .

وافاه أحد أخوته وابن أخت له إلى حيث وقع الحادث وعلى جناح السرعة . وبعد نقلهم مجموعة الجنائز في ظروف مأساوية تعصر القلوب عصراً ، وبعد مواراتها في الثرى ، في صُوَر تتلاحق لتكمل حكاية هذه الكارثة الملوَّنة العميقة الجراح ، التي كثيراً ما يتيه فيها المرء ويكاد يضيع وكأنها بلا حدود ، على كثرة عناوينها ورموزها ومعانيها وعلامات الإستفهام فيها . قصَّا علينا هما من زاوية أحاسيسهما ، وقص علينا هو من زاوية مأساته .

المراقب من الخارج ، مع نسبة ما من الإهتمام ، كان يحس عمق الكارثة وشدة قبضتها على القلب وعلى الدماغ .

أحدهما وصفه ، ووصف معاناته :  وهو جريح مصاب بكسور في خمسة من ضلوعه ، وبحاجة إلى النوم والراحة ، ولكنه لم يستطع ذلك ، إذ أن ابنته الصغرى الناجية ، كانت كذلك  جريحة ، ممددة على سريـر في المستشفى وهو أبى إلا أن يظل إلى جانبها . قالا : كان يردد كلمة . . الحمد لله .

نصحه الطبيب ونصحناه أن يبقى في المستشفى  حتى يتعافى  ، ثم يلتحق بلبنان ، بعد أن يكون كل  شيء قد أنجز كما ينبغي . قال : لن أفارقهن ولو لحظات .

ثم  رأيناه ينزل مع  كل  واحـدة   منهن  إلى  لحدها .  ويبكي ..   ويبكي  معه  الناس .. كثيراً  .

ماذا سيحدث له عندما يفيق من هول الكارثة ؟ وعندما يتحلل من قيود التعب والإرهاق ، وكثرة المعزين ، وعندما يتعافى من كسوره وأوجاعه وقد برئت بنيته التي لا تكاد تفارقه ؟

ماذا سيجري له عندما يجد نفسه وحيداً بعد اللواتي كانت حياته رهن البيت الذي كن فيه .

ماذا سيصيبه وهو يتفقدهن واحدة واحدة ، بدءاً بالزوجة الحبيبة الغالية ، ثم البنيات اللواتي كن السعادة لعينيه وسمعه وقلبه .

وفعلاً . .  وبعد أيام . . أخذت تتسرب إلينا من  معاناته  في  لياليه  ، أخبار وأخبار :

مسهَّد ، يتظاهر بالنوم ، حتى ينام الرقيب من أهله وأخواته ، ثم يسلم العنان لدموعه ، والآهات الحرى والزفرات .

في النهار أخذ يعلن ما لم يستطع إخفاءَه  : الصداع ، وأوجاع في الخاصرة - لعلها من أثر الحادث - والأهم من ذلك كله : دوخة .

قال له الأطباء : لعلها من كذا .. ولعلها من كذا .. وأحدهم قال : هي نقطة دم في مكان ما في الدماغ . وبالنتيجة أحد أصدقائه وهو طبيب ماهر قال له لا بد من مستشفى لبضعة أيام يحدد خلالها السبب وفيها يتم العلاج .

وكان هذا الأمر بالنسبة إليه وإلى جميع الأقارب بديهياً جداً ولا مناص منه . وإلاَّ ما هو البديل .

وفجأة ، وبعد بضعة أيام ، حصل ما لم  يكن بحسبانه و لا بحسبان الطب ولا بحسبان  الناس ولا بحسبان علم الإجتماع أو علم النفس الحديث .

أخذ يخرج من مأساته ، أخذ يتعافى نفساً وبدناً : برأ من الصداع ، ثم من الدوخة ، دون أن يجري أية فحوصات في مستشفى أو في مختبر ، ودون أن يتعاطى أي دواء . كان واثقاً من الشفاء ومن السلامة التي لا يشوبها شيء ، في نفسه وبدنه .

ما الذي جرى ؟

كان يعيش ويتعافى ويتنامى في معاني وآيات القرآن الكريم .

ـ       إذن  هو  الله  الذي  شفى والذي عافى والذي أنقذه من الوقوع في المرض العالمي اليوم : الاكتئاب . الذي من أدنى  أسبابه ، فقد عزيز ، من أب أو أم  أو إبن أو أخ أو ما شابه ، إضافة إلى عوامل أخرى  مرتبة  على الإعتقاد الفارغ والمتهافت ، في عصر اللَّّهاث  ، وكلب الجنس والتلفزة المسعورة بالفواحش وثورة الاتصال .

أية حضارة هذه سحقت فيها الأنفس وأُتبعت بالأبدان ، مفتونة مجنونة بين الإيدز والحبة الزرقاء ، ومئات الأمراض النفسية و الجسمية   القاتلة التي أتعبت الطب وحيرته ، ومع ذلك  هو يقول أو يقال عنه : ما أعظم ما تقدم  وما أعظم ما أنجز . .

فما حقيقة ما جرى للمهندس الشاب ، عبر فداحة المصاب ؟!  . .

في الحقيقة ، أني في  الفترة التي  كنا نلتقي فيها المعزين ، حان وقت صلاة الظهر ، فقمت وصليت ، وأخذت قرآناً وقرأت ، وإذا بي أتسمر  ودون وعي مني أمام آيات فيها هذه : { تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ . سورة المؤمنون الآية 104} ولست أدري لماذا اخذت أنقب عما حولها من آثار ، تفسيراً وتأويلاً ،  فإذا بي أقع على ما إستوقفني وأدهشني ، وصممت بعد تأملي فيه أن أنقله  للتو  إلى صاحب العلاقة -  الكارثة وأمام الناس وهو ما يلي  أنقله حرفياً بإذن الله تعالى :

« قد يكون إنسان من أهل النار بما قدمت يداه فيبتليه الله بمصيبة ، فإذا صبر عليها منيباً إلى الله سبحانه ، جعله الله من أهـل رضاه ورضوانه في الدنيا والآخرة ، بعد أن يغفر له ما تقدم من ذنبه . وإذا هو لم يصبر ولم يرضَ بقضاء الله زاده الله عذاباً  في الدارين ، وكان من الذين { تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ .} الآية .

 تكلمت بهذا ، ربما في لقاءَين مع بعض الزائرين ، وهو إلى جانبي  .. يسـمع ..

ثم لاحظت ، أنه كلما كانت تحين فرصة لسؤال عميق ودقيق عن الكارثة ، عن مقدماتها ، في لبنان ، في الطريق ، من السبب ؟ السيارة أم السائق ، أم أن الأمر أكبر من ذلك  بكثير ، من حيث كونه إما عقوبة كبيرة ، أو أنه إبتلاء كبير و { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } في جميع الاحوال .

وكانت تكثر الأسئلة ، والتساؤلات ، كذلك من الناس ، عن أولاده الذين استشهدوا، وبمفاهيم غريبة عن الحقائق التي علمنا الله تعالى إياها ولا سيما عبر قرآنه الكريم .

هذه المفاهيم الخاطئة ، التي يتداولها البعض ، شعرت أنها من باب : { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } ، أو من { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ... } حيث أني كنت بالضرورة ملزماً بالمناقشة والتصحيح ، ودائماً - طبعاً - بموجب ما علمني الله تعالى من آياته والبينات . وهو حاضر يسمع  وبإهتمام الموجوع الجريح ، الذي هو في لهفة لما يداوي وجعه وجراحه .

أقمنا الذكرى التقليدية ، بضغوطها ومسؤولياتها ، وكثرة المواسين من الأقارب والأصدقاء وجمهور من الناس غفير ، وكان إلى جانبي كثيراً ما يحمد الله هامساً ، وهو أقرب إلى التماسك وأبعد عن الإنهيار .

كنت - كلما لاحظت إيجابيته - أردد بيني وبين نفسي : ليس عجباً  أن تفعل آيات الله فعلها فيه . وقد تيقنت فيما بعد من هذه الحقيقة .

فهو أخذ يزورني  تكراراً في منزلي ، وقد سهلت علينا حميمية القرابة المشوبة بالثقة والمحبة ،  أن تكون سهراتنا طويلة وموسعة ، وثقافية دينية  ،  على طول الخط ، مما جعلني أحياناً ، أفكر بتغيير السياق ، سياق الآيات والقرآن والمعادلات الإلهية  ، خشية من أن يملّوا أو يضجروا ، فأنتقل إلى دردشة عادية .. إلا أني كنت أجد منه إصراراً  على طرح الأسئلة التي كان معظمها يدور  ، في البداية  ، حول الكارثة إياها ،  ثم أخذت الأسئلة  تنحو نحواً  أعلى  وأوسع ،  أحسست  معها  أن هذا الشاب المرهف الحس ، الجريح  الفؤاد  .. يتعافى ، ساعة بعد ساعة ، وهو يبني نفسه متقرباً إلى الله متوكلاً عليه ، من جديد .

بعد  حوالي  أربعين  يوماً  من  الحادثة  ،  سافر  إلى  السعودية  ،  ليتابع  عمله ، في  نفس  الشركة  ،  التي  ،  كنت  علمت  أن  المسـؤولين  فيها ، يحيطـونه بعاطفة طيبة ورعاية تتلاءَم مع وضعه .

بعد سفره بحوالي شـهرين ، دق عندي جرس الهاتف  فإذا  هو  يتكلم  من  السعودية ..

حدثني - بقدر ما يسمح الخطاب من بعيد - عن أشياء كثيرة ، حساسة  كنت حريصاً  على أن أعرفها ، فكانت كلها كما تمنيت  -  في حفط الله وتأييده الواضح  ورعايته .

بقي أهم شيء كنت متلهفاً على معرفته، وكاد حديثنا يشارف على نهايته وهو لم يذكر لي ؛ الدوخة ، وبقية الأوجاع . فسألته عن الأمرين  فكان الجواب : أما الدوخة فأصبحت قديمة بعد أن شفاني الله وحده منها ، وأما الصحة عامة ، فهي بفضل الله ونعمته جيدة . وكان آخر سؤال مني . إلى أي مدى تحس بالوحدة ، وأنت في البيت وحدك بعدما قررت إبقاءه وعدم الإنتقال منه كما كان مقرراً ؟

قال  : « أَغُربةٌ مع الله » ، وضحك ، .. وتابع على كل حال ، نلتقي إن شاء الله على العيد ، عيد الفطر المبارك ، عندكم في لبنان .

-  في أمان الله وحفظه  -  في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله بلغوا  تحياتي إلى والدي وإلى  الأهل وجميع الأحبة .

أما قضية  « أَغُربةٌ مع الله » وسعادته بها ،  فلها حكاية ، كنت قد رويتها له ، فأثّرت فيه عميقاً  وجعل نفسه من مصاديقها بسبب هذا التأثير .

والحكاية  هي هذه : ذو النون المصري حدَّث فقال :

كنت مرة صاعداً من وادي كنعان ، وإذا امرأة كبيرة في السن ، تتكلم بصوت عالٍ ، كأنما لديها مشكلة ، وإذ أبصرتني توجهت إليَّ غير وجلة .. وسألتني من أنت ؟  قلت غريب . قالت  : أغربةٌ مع الله  !  قلت :  فبكيت . قالت : ولم بكيت ؟ قلت :  وقع الدواء على الداء فشفاه ، ولذلك بكيت فرحة بالشفاء . قالت ومع ذلك لماذا بكيت ما دمت من أهل اليقين ؟ قلت أوَ ما يبكي أهل اليقين ؟ قالت لا ، لأن البكاء فرج القلب . ومن كان الله في قلبه لا يحمل هماً ولا غماً ، فينبغي أن يكون سعيداً بالله ، وإلا فالحزن للمؤمنين ، وليس لأهل اليقين .

Home ] Up ]

Send mail to info@islamicbrain.com with questions or comments about this web site. 
Copyright © 2003 Islamicbrain
Last modified: 03/10/07