| |||||||||||||||||||
بسم الله الرحمن الرحيم
بين يدي الكتاب
منذ فتح الله جلَّ شأنه ، عينيَّ وقلبي وعقلي ، على حب الإطلاع ، وتتبع ذخائر تراثنا العربي والإسلامي ، وأنا أزداد إعجاباً ونشوة وفخراً ، بهذا التراث الزاخر بالعلوم والفتوحات الفكرية ، والإبتكار في كل علمٍ وفي كل فن . ولاحظت أكثر ما لاحظت ، كتب التاريخ وكثرتها ـ رغم بعض الطعون في أكثرها ـ وكذلك كتب السيرة النبوية المباركة ، وغيرها من السير ، من الخلفاء الذين اتفق على تسميتهم بالراشدين ، إلى سير القادة العسكريين والسياسيين والأئمة الميامين . كذلك كتب المفاضلة بين المذاهب ، وأئمة المذاهب ، والشيع وكثرة الشيع ، التي اندثر أكثرها ، وما بقي منها إلا اسماؤها المنسية والقابعة في زوايا كتب التاريخ ذات الإختصاص . ثم الأهم من ذلك كله ، كتب تفسير القرآن الكريم ، وهي على كثرتها وعظم أهميتها ، وضخامة بعضها ، وحتى فنون تبويبها، والحرص الشديد على تعظيم القرآن وحفظه وضبط قراءاته ، والدقة الرائعة في توخي المحافظة على كل نقطة وكل حركة ، فضلاً عن المشهور في القراءات وتعداد القراءات ، وحصر الشاذ منها ، وصولاً حتى إلى مدارس تجويد القرآن والإهتمام بأدق أجزائه وجزيئاته . ثم ، مجلدات الحديث ، كالصحاح المشهورة الستة والتي هي عبارة من عشرات المجلدات ، كذلك أحاديث الأربعين ، حيث نجد منها ربما المئات ، لولا أن بعضها يستقطبه التشابه والتكرار . ويقابل الصحاح ، كتب الرواية عن الأئمة الأطهار مثل الكافي للكليني والبحار للمجلسي ، وهي كتب تشمل عشرات المجلدات، وغيرها وغيرها لعلماء أقطاب أمثال الشهيد الأول والشهيد الثاني والحر العاملي ، والمحقق الكركي ، والشيخ البهائي وأسماء كثيرة منيرة ومستنيرة قد نحتاج لحصرها إلى كتاب كبير ولا سيما في مجال الفقه والإجتهاد والاستنباط لأحكام الشريعة من مصادرها ، إلى رسالات المراجع وتصنيفاتهم ، ولو كان أكثرها في قضايا الفقه في مجالي العبادات والمعاملات . إلا أن هذه الكتب بمعظمها ، شديدة التشابه ، ولولا علم أصول الفقه قد يجوز لغير العارفين بفنون الإجتهاد والاستنباط أن يقولوا إن هذه الكتب والمصنفات يقلد بعضها بعضاً . وعلى كل حال، تبقى الحقيقة القائمة هي كون هذه الكتب التي هي بالمئات ، يمكن اليوم لكمبيوتر مجهز ببرنامج للفرز وإسقاط المكرر، والمقلَّد ، والمتشابه ، أن يحصر فقهنا كله بكتاب من عدة مجلدات للخاصة ، وبكتيب عادي للعامة ، مما يسهل على الفريقين كثيراً من التعقيد الذي بدون طائل . حتى بحار المجلسي رضوان الله عليه على كثرة أجزائها وضخامتها قد اختصرت بما سمي " سفينة البحار " حيث تحاشى فيه مجرَّد التكرار والعنعنات ، فجاء هذا المختصر ، ليقول فيه من يقرأه : ما أجلَّه وما أجمله . بقي أن نسأل : هل فقهنا الإسلامي ، الذي لم يطبَّق ، هو بهذه الضخامة وبهذا التعقيد في اجتهاد الكتب المكررة . والتي لاحظنا أنها تكاد تفرض على طالب العلم فريضة . في الوقت الذي يعاني فيه الفكر الإسلامي الحوزوي من نقصين أساسيين : _ الأول تعلُّم وتعليم روح القرآن . _ والثاني: تتبع العلوم الحديثة ، وممارسة ما يمكن منها. وكذلك هذان النقصان ، هما حاصلان بشكل عام ، عند أكثر الكتاب المتأخرين ، الذين ما زالوا يأخذون عن المبتكرين الأوائل ، وما زالوا يراوحون مكانهم بطرق التحليل والتعليل والمواضيع إياها ، مع بعض الفساد في اللغة والصياغة ليزيد الطين بلة . نقول هذا ، ونستدرك احتراماً لبعض النيِّرين ، الذين هم في مواقع القيادة لهذه الأمة المباركة ، والذين ما زالوا يكتبون مجددين ومبتكرين ، ومجاهدين على أكثر من صعيد ، ولكنهم في الحقيقة قلة قليلة جداً بالنسبة لما هو مطلوب عدداً ونوعية في المجالين الأنفي الذكر : روح القرآن والإنخراط في الحداثة . وكذلك في مجالات أخرى تكاد تكون فريضة ، في شن حرب على البدع وعلى روح الوثنية ، ولزوم تبني واعتماد الأسلوب الذي يصدم ليوقظ ، وليصدم العامة وبعض من يعتقدون أو يعتقد فيهم أنهم من الخاصة، أي من العلماء الحقيقيين وما هم كذلك . وما أكثرهم شكلاً ، وما أفقرهم علماً وعدالة . ورد في القرآن الكريم قوله تبارك وتعالى : { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنَّا من المجرمين منتقمون . سورة السجدة الأية 22 } . وفي القرآن الكريم آيات الله المكتوبة المنزلة وحياً على قلب رسول الله محمد (ص ) فالقرآن كله آيات ألزم الله المسلمين بتذكرها وتدبرها والعمل بها . يعني بإختصار ، ألزم الله الأمة كلها بالقرآن الكريم ، هذا بشكل عام ، وألزم القياديين فيها إلزاماً أشد بشكل خاص . أما التشدد على القياديين ، فلأنهم لو لم يكن الله قد أعطاهم وميزهم بطاقات ومواهب ومقدرات عقلية ونفسية وبدنية أكثر من غيرهم من عامة الناس ، لما استطاعوا أن يكونوا قياديين. وحيث أن الله سبحانه { لا يكلف نفساً إلا ما آتاها } فلذلك جاء تكليف القياديين خاصة أكلف وأكثر تحميلاً للمسؤولية أمام الله وأمام عباده ، في الدنيا وفي الآخرة . جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظا . سورة الأحزاب الآية 7 }. وهنا نقطتان : الأولى أنه سبحانه أخذ من الأنبياء ميثاقاً غليظا بشكل عام لأنه سبحانه هو نبَّاهم وجهزهم بمستلزمات الثبات والتحدي والتصدي لأنواع الكفر والبدع . وبشكل خاص كان الميثاق الغليظ آكد من رسول الله محمد ( ص ) ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم عليهم السلام حيث أنه سبحانه خاطب محمداً (ص) مباشرة وسمى زملاءه الباقين ولم يسمِّ غيرهم . وأما النقطة الثانية المستفادة ، فهي أنه " على قدر أهل العزم تأتي العزائم " كذلك من كان من الناس قد آتاه الله قدرات وميزات ومواهب أكثر من عامة أقرانه في عصره ومجتمعه ، فهو مطالب أمام الله بمقادير ما وهبه وأعطاه . وهنا أول ما يخطر بالبال الكتَّاب الموهوبون ، والمفكرون ، والشعراء ، والرسامون ، وكل من أوتي موهبة شريفة أصلاً ، فهؤلاء جميعاً مطالبون أمام الله تعالى بنسب ما أعطاهم سبحانه : { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } . وقد يكون أبلغ المواثيق وآكدها بعد الأنبياء والرسل ، هي على العلماء المتصدِّين لحمل الدين وتبليغه من مواقع القيادة والموعظة ، قولاً وكتابة إلى الناس ، في كل عصر وفي كل جيل وزمان ومكان . يعني سيكون أصحاب المواهب أكثر الناس مسؤولية أمام الله، وبالتالي سيكون سبحانه أكثر تشدداً عليهم . كذلك سيكون العلماء أكثر أصحاب المواهب مسؤولية ، وبالتالي سيكون سبحانه أكثر تشدداً عليهم ، ومن بين جميع الخلق بعد الرسل والأنبياء والذين عصمهم الله سبحانه عن الخطأ والزلل . فلا يفرحنَّ متعمم بعمامته ولا يزهونَّ بقيافته ، ولا يطمئنن إلى كونه يتصدر المجالس ويُنحنى له إجلالاً وإكباراً ، إذا كان فاجر القلب ، صياد مواقف ومصالح وصداقات . فإنَّ ربك لبالمرصاد ، له أكثر من غيره من عامة خلق الله . وكونه متصدياً لدين رب العالمين، ينبغي أن يكون ربيب هذا الدين ، فتىًً لله عز وعلا ، تابعاً له سبحانه ، عبر أنبيائه ورسله وأوليائه ، وكتبه التي لخصها الله تعالى وزاد عليها ، وجعل خلاصتها والزيادة في كتاب ، ليس على وجه الأرض وتحت السماء كتاباً أصدق منه وأكمل منه وأغنى منه وأعلى منه شأناً ، في تعليمه وتشريعه وكنوزه المفتوحة ، وكنوزه المغلقة بانتظار الفاتحين ، وأسراره ، وأدبه وتربيته للسالكين والناجين والإنس والجن أجمعين . ذلك هو القرآن الكريم : { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسُّه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين . سورة الواقعة الآية 77ـ 80 } أما مسُّ القرآن هنا فيعني إدراك روحه وحقائقه وكشف كنوزه وبلوغ أسراره ، نهلاً نهلاً ، ثم عبّاً عبّاً ، ثم استنارة ثم إضاءة : { يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير سورة التحريم الآية 8 } { ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم } في الدنيا قبل الآخرة : { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } . هؤلاء الذين آمنوا مع النبي (ص) وأمثالهم في التاريخ ، إذا أكمل الله عليهم نورهم ، طهرهم به ، فيصبحون أهلاً لمسِّ القرآن في شغافه ، وبين حروفه وثنايا آياته ، متنقلين من عباراته إلى إشاراته إلى معانيه إلى حقائقه العليا التي فيه ، والتي إليها يشير في عالمي الغيب والشهادة بإذن الله . من هنا روح القرآن ومن هنا الابتكار . أما روح القرآن ، فهي باختصار شديد الدعوة إلى الله . وأما الإبتكار ، فهو عدم اجترار المعاني المستهلكة ، وعدم تكرار التفاسير التقليدية المبثوثة في مئات الكتب . والتي لا يعيد الكتابة فيها إلا فاشل أو تاجر أو سارق أفكار . وهؤلاء ظلمانيون . الابتكار ، أولاً هو تنظيف وعاء التلقي ، ووعاء التلقي هو القلب ، وهذا لا يلهمه الله سبحانه إلا إذا استنار بنوره ، وهاجر إليه يريد قربه ، ولا يلتفت لشيء دونه من مكاسب الدنيا حتى ولا الآخرة . طبعاً وإذا جعل هذا القلب كله لله لا يشاركه فيه أحد سبحانه . فإذا لم يطهر القلب ويتهيأ لتلقي الإلهام الكريم من الله جلت عظمته ، فلا يتصدينَّ للقرآن بحثاً وتنقيباً ، وصيد لآلىء ، لأنه لن يرى من اللآلىء إلا أصدافها ، ويزيد الأمر سوءاً إذا كان من غلف القلوب . وثانياً من أراد الابتكار كتابة ، فليجعل من القرآن الكريم ساحة جهاده : ساحة جهاد قلبه وعقله ، وسمعه وبصره ، ولا يتخطاه ، إلا قليلاً ما ، ولضرورات ، مثل الإستئناس بأحاديث أو روايات صحيحة ، وأهم شرط في صحتها أن يقبلها هذا القرآن المجيد . والابتكار ثالثاً : أن ينظر إلى الكون بمنظار القرآن : في العلوم الإنسانية ، في الفلسفة وعلم الإجتماع ، وعلم الإقتصاد الذي هو رزق الله لعباده ، والسياسة والأخلاق . ثم في الفلك ، ثم النظريات العلمية الظنية . ثم فيما يعلِّم الله لعباده في مجالات التكنولوجيا والعلوم النووية ، وثورة الإتصالات ، والأشعة وأنواعها وفاعلياتها في الأنفس والأبدان والجراحة ، والطبابة ، والعلم بشكل عام . ولا تنتهي حقول العلم ومواضيع البشر في حياتهم على صعيد الأفراد أو المجتمعات أو هذا الكون الفسيح ، العميق بكنوزه وأسراره . ويظل القرآن هو المرصد لجميع هذا الخلق ، في البر والبحر والجو والسماوات العلى . وجُلَّ مسار العالِم ، أن يستنبط ، غادياً من روح القرآن ، أي الدعوة إلى الله ، ماراً بالكاشف النوراني ، في جزئيات وأفراد وتجمعات هذا الخلق العظيم راجعاً إلى روح القرآن : داعياً إلى واسع الرحمة عظيم المغفرة ، محذراً من غضباته ونقماته ، التي لا يقوم لها شيء ، لا في مفاجئات الخزي في الدنيا ، ولا في الشقاء الأبدي في الآخرة . { ولينصرنَّ الله من ينصره } أما في أنصار الله فقوله سبحانه : { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون سورة السجدة الآية 17 }. من هنا ، فإن منهاج بحثنا ، بإذن الله تعالى ، سيكون ، كما كان في كتابينا السابقين " العقل الاسلامي " و " دعوة إلى الله " انطلاقاً من القرآن الكريم متوكلاً على الله وحده لا شريك له ، مهتدياً بهديه ، مستنيراً بنوره ، داعياً إلى التظلل بظله وحده ، وإلى الإستنارة بنوره وحده ، والاستنصار بقوته وحده ، والاعتزاز بعزته وحده . اللهم وإني أسألك المزيد من كل خير أحاط به علمك ، لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها ، وإنهاضاً لهذه الأمة ، ونصراً مؤزراً لها ، وأنت سبحانك قد قلت في أهلها : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }. فيا ربنا الحبيب ، يا لا إلـه إلا أنت ، يا حي يا قيوم ، أنت السميع وأنت البصير وأنت على كل شيء قدير : {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين .}
|
|
Send mail to
info@islamicbrain.com with
questions or comments about this web site.
|