ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال انني من  المسلمين

 

                                         

مفتاح المعرفة سلطنا الله على ما في الكون لباس التقوى من هم أصدقاؤك ماء السماء إنما يخشىالله من عباده العلماء كما تكونون يولّى عليكم االله خير اما يشركون بين موسى وعيسى ومحمد

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بين يدي الكتاب

 

       منذ فتح الله جلَّ شأنه ، عينيَّ وقلبي وعقلي ، على حب الإطلاع ، وتتبع ذخائر تراثنا العربي والإسلامي ، وأنا أزداد إعجاباً ونشوة  وفخراً ، بهذا التراث الزاخر بالعلوم والفتوحات الفكرية ، والإبتكار في كل علمٍ وفي كل فن .

       ولاحظت أكثر ما لاحظت ، كتب التاريخ وكثرتها ـ رغم بعض الطعون في أكثرها ـ وكذلك كتب السيرة النبوية المباركة ، وغيرها من السير ، من الخلفاء الذين اتفق على تسميتهم بالراشدين ، إلى سير القادة العسكريين والسياسيين والأئمة الميامين .

       كذلك كتب المفاضلة بين المذاهب ، وأئمة المذاهب ، والشيع  وكثرة الشيع ، التي اندثر أكثرها ، وما بقي منها إلا اسماؤها المنسية والقابعة في زوايا كتب التاريخ ذات الإختصاص .

       ثم الأهم من ذلك كله ، كتب تفسير القرآن الكريم ، وهي على كثرتها وعظم أهميتها ، وضخامة بعضها ، وحتى فنون تبويبها، والحرص  الشديد على تعظيم القرآن وحفظه وضبط قراءاته ، والدقة الرائعة في توخي المحافظة على كل نقطة وكل حركة ، فضلاً عن المشهور في القراءات  وتعداد القراءات ، وحصر الشاذ منها ، وصولاً حتى إلى مدارس تجويد القرآن والإهتمام بأدق أجزائه وجزيئاته .

       ثم ، مجلدات الحديث ، كالصحاح المشهورة الستة والتي هي عبارة من عشرات المجلدات ، كذلك أحاديث الأربعين ، حيث نجد منها ربما المئات ، لولا أن بعضها يستقطبه التشابه والتكرار .

       ويقابل الصحاح ، كتب الرواية عن الأئمة الأطهار مثل الكافي للكليني والبحار للمجلسي ، وهي كتب تشمل عشرات المجلدات، وغيرها وغيرها لعلماء أقطاب أمثال الشهيد الأول والشهيد الثاني والحر العاملي ، والمحقق الكركي ، والشيخ البهائي  وأسماء كثيرة منيرة ومستنيرة قد نحتاج لحصرها إلى كتاب كبير  ولا سيما في مجال الفقه والإجتهاد والاستنباط  لأحكام الشريعة من مصادرها ، إلى رسالات المراجع وتصنيفاتهم ، ولو كان أكثرها  في قضايا الفقه  في مجالي العبادات والمعاملات .

       إلا أن هذه الكتب بمعظمها ، شديدة التشابه ، ولولا علم أصول الفقه قد يجوز لغير العارفين بفنون الإجتهاد والاستنباط أن يقولوا إن هذه الكتب والمصنفات يقلد بعضها بعضاً . وعلى كل حال، تبقى الحقيقة القائمة  هي كون هذه الكتب التي هي بالمئات ، يمكن اليوم لكمبيوتر مجهز ببرنامج للفرز وإسقاط المكرر، والمقلَّد ، والمتشابه ، أن يحصر فقهنا كله بكتاب من عدة مجلدات للخاصة ، وبكتيب عادي للعامة ، مما يسهل على الفريقين كثيراً من التعقيد الذي بدون طائل .

       حتى بحار المجلسي  رضوان الله عليه على كثرة أجزائها وضخامتها قد اختصرت  بما سمي " سفينة البحار "  حيث تحاشى فيه مجرَّد التكرار والعنعنات ، فجاء هذا المختصر ، ليقول فيه من يقرأه : ما أجلَّه وما أجمله .

       بقي أن نسأل : هل فقهنا الإسلامي ، الذي لم يطبَّق ، هو بهذه الضخامة  وبهذا التعقيد في اجتهاد الكتب المكررة . والتي لاحظنا أنها تكاد تفرض على طالب العلم فريضة . في الوقت الذي يعاني فيه الفكر الإسلامي الحوزوي من نقصين أساسيين :

       _     الأول تعلُّم وتعليم روح القرآن .

       _     والثاني: تتبع العلوم الحديثة ، وممارسة ما يمكن منها.

            وكذلك هذان النقصان ، هما حاصلان بشكل عام ، عند أكثر الكتاب  المتأخرين ، الذين ما زالوا يأخذون عن المبتكرين الأوائل ، وما زالوا يراوحون مكانهم بطرق التحليل والتعليل والمواضيع إياها ، مع بعض الفساد في اللغة والصياغة ليزيد الطين بلة .

       نقول هذا ، ونستدرك احتراماً لبعض النيِّرين ، الذين  هم في مواقع  القيادة لهذه الأمة المباركة ، والذين ما زالوا يكتبون مجددين ومبتكرين ، ومجاهدين على أكثر من صعيد ، ولكنهم في الحقيقة قلة قليلة جداً بالنسبة لما هو مطلوب عدداً ونوعية في المجالين الأنفي الذكر : روح القرآن والإنخراط في الحداثة . وكذلك في مجالات أخرى تكاد تكون فريضة ، في شن حرب على البدع وعلى روح الوثنية ، ولزوم تبني واعتماد الأسلوب  الذي يصدم ليوقظ ، وليصدم العامة وبعض من يعتقدون أو يعتقد فيهم أنهم من الخاصة،  أي من العلماء الحقيقيين  وما هم كذلك . وما أكثرهم شكلاً ، وما أفقرهم علماً وعدالة .

       ورد في القرآن الكريم قوله تبارك وتعالى :

      { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنَّا من المجرمين  منتقمون . سورة السجدة الأية 22 } .

       وفي القرآن الكريم  آيات الله المكتوبة المنزلة وحياً على قلب رسول الله محمد (ص )  فالقرآن كله آيات  ألزم الله المسلمين بتذكرها وتدبرها والعمل بها .

       يعني بإختصار ، ألزم الله الأمة كلها بالقرآن الكريم ، هذا بشكل عام ، وألزم القياديين فيها إلزاماً أشد بشكل خاص .

       أما التشدد على القياديين ، فلأنهم لو لم يكن الله قد أعطاهم  وميزهم بطاقات ومواهب ومقدرات عقلية ونفسية وبدنية أكثر من غيرهم من عامة الناس ، لما استطاعوا أن يكونوا قياديين. وحيث أن الله سبحانه  { لا يكلف نفساً إلا ما آتاها } فلذلك جاء تكليف القياديين خاصة أكلف وأكثر تحميلاً للمسؤولية أمام الله وأمام عباده ، في الدنيا وفي الآخرة . جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم  وأخذنا منهم ميثاقاً غليظا . سورة الأحزاب الآية 7 }.

       وهنا نقطتان : الأولى أنه سبحانه أخذ من الأنبياء ميثاقاً غليظا بشكل عام لأنه سبحانه هو نبَّاهم وجهزهم  بمستلزمات الثبات  والتحدي والتصدي لأنواع الكفر والبدع . وبشكل  خاص كان الميثاق الغليظ آكد من رسول الله محمد ( ص ) ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم عليهم السلام  حيث أنه سبحانه خاطب محمداً (ص) مباشرة وسمى زملاءه الباقين ولم يسمِّ غيرهم .

       وأما النقطة الثانية المستفادة ، فهي أنه " على قدر أهل العزم  تأتي العزائم " كذلك من كان من الناس قد آتاه الله قدرات وميزات ومواهب أكثر من  عامة أقرانه في عصره ومجتمعه ، فهو مطالب أمام الله بمقادير ما وهبه وأعطاه . وهنا أول ما يخطر بالبال الكتَّاب الموهوبون ، والمفكرون ، والشعراء ، والرسامون ، وكل من أوتي موهبة شريفة أصلاً ، فهؤلاء جميعاً مطالبون أمام الله تعالى بنسب ما أعطاهم سبحانه : { فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره } .

       وقد يكون أبلغ المواثيق وآكدها  بعد الأنبياء والرسل ، هي على العلماء المتصدِّين لحمل الدين وتبليغه من مواقع القيادة والموعظة ، قولاً وكتابة  إلى الناس ، في كل عصر وفي كل جيل وزمان ومكان .

       يعني سيكون أصحاب المواهب أكثر الناس مسؤولية أمام الله، وبالتالي سيكون سبحانه أكثر تشدداً عليهم .

       كذلك سيكون العلماء أكثر أصحاب المواهب مسؤولية ، وبالتالي سيكون سبحانه أكثر تشدداً عليهم ، ومن بين جميع الخلق بعد الرسل والأنبياء  والذين عصمهم الله سبحانه عن الخطأ والزلل .

       فلا يفرحنَّ متعمم بعمامته ولا يزهونَّ بقيافته ، ولا يطمئنن إلى كونه يتصدر المجالس ويُنحنى له إجلالاً وإكباراً ، إذا كان فاجر القلب ، صياد مواقف ومصالح وصداقات . فإنَّ ربك لبالمرصاد ، له أكثر من غيره من عامة خلق الله . وكونه متصدياً لدين رب العالمين، ينبغي أن يكون ربيب هذا الدين ، فتىًً لله عز وعلا ، تابعاً له سبحانه ، عبر أنبيائه ورسله وأوليائه ، وكتبه التي لخصها الله تعالى وزاد عليها ، وجعل خلاصتها والزيادة في كتاب ، ليس على وجه الأرض وتحت السماء كتاباً أصدق منه وأكمل منه وأغنى منه وأعلى منه شأناً ، في تعليمه وتشريعه وكنوزه المفتوحة ، وكنوزه المغلقة بانتظار الفاتحين ، وأسراره ، وأدبه وتربيته للسالكين والناجين والإنس والجن أجمعين . ذلك هو القرآن الكريم :

    { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسُّه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين . سورة  الواقعة الآية 77ـ 80 }

       أما مسُّ القرآن هنا فيعني إدراك روحه وحقائقه وكشف كنوزه وبلوغ أسراره ، نهلاً نهلاً ، ثم عبّاً عبّاً ، ثم استنارة ثم إضاءة :

      { يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير سورة التحريم الآية 8 }

      { ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم } في الدنيا قبل الآخرة  : { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } . هؤلاء الذين آمنوا مع النبي (ص) وأمثالهم في التاريخ ، إذا أكمل الله عليهم نورهم ، طهرهم به ، فيصبحون أهلاً لمسِّ القرآن في شغافه ، وبين حروفه وثنايا آياته ، متنقلين من عباراته إلى إشاراته إلى معانيه إلى حقائقه العليا التي فيه ، والتي إليها يشير في عالمي الغيب والشهادة بإذن الله .

       من هنا روح القرآن ومن هنا الابتكار .

       أما روح القرآن ، فهي باختصار شديد الدعوة إلى الله .

       وأما الإبتكار ، فهو عدم اجترار المعاني المستهلكة ، وعدم تكرار التفاسير التقليدية المبثوثة في مئات الكتب . والتي لا يعيد الكتابة فيها إلا فاشل أو تاجر أو سارق أفكار . وهؤلاء ظلمانيون .

       الابتكار ، أولاً هو تنظيف وعاء التلقي ، ووعاء التلقي هو القلب ، وهذا لا يلهمه الله سبحانه إلا إذا استنار بنوره ، وهاجر إليه يريد قربه ، ولا يلتفت لشيء دونه من مكاسب الدنيا حتى ولا الآخرة . طبعاً وإذا جعل هذا القلب كله لله لا يشاركه فيه أحد سبحانه .

       فإذا لم يطهر القلب ويتهيأ لتلقي الإلهام الكريم من الله جلت عظمته ، فلا يتصدينَّ للقرآن بحثاً وتنقيباً ، وصيد لآلىء ، لأنه لن يرى من اللآلىء إلا أصدافها ، ويزيد الأمر سوءاً إذا كان من غلف القلوب .

       وثانياً من أراد الابتكار كتابة ، فليجعل من القرآن الكريم ساحة جهاده : ساحة جهاد قلبه وعقله ، وسمعه وبصره ، ولا يتخطاه ، إلا قليلاً ما ، ولضرورات ، مثل الإستئناس  بأحاديث أو روايات صحيحة ، وأهم شرط في صحتها أن يقبلها هذا القرآن المجيد .

       والابتكار ثالثاً : أن ينظر إلى الكون بمنظار القرآن : في العلوم الإنسانية ، في الفلسفة وعلم الإجتماع ، وعلم الإقتصاد الذي هو رزق الله لعباده ، والسياسة والأخلاق . ثم في الفلك ، ثم النظريات العلمية الظنية . ثم فيما يعلِّم الله لعباده في مجالات التكنولوجيا والعلوم النووية ، وثورة الإتصالات ، والأشعة وأنواعها وفاعلياتها في الأنفس والأبدان والجراحة ، والطبابة ، والعلم بشكل عام .

       ولا تنتهي حقول العلم ومواضيع البشر في حياتهم على صعيد الأفراد أو المجتمعات أو هذا الكون الفسيح ، العميق بكنوزه وأسراره . ويظل القرآن هو المرصد لجميع هذا الخلق ، في البر والبحر والجو والسماوات العلى .

       وجُلَّ مسار العالِم ، أن يستنبط ، غادياً من روح القرآن ، أي الدعوة إلى الله ، ماراً بالكاشف النوراني ، في جزئيات وأفراد وتجمعات هذا الخلق العظيم راجعاً إلى روح القرآن : داعياً إلى واسع الرحمة عظيم المغفرة ، محذراً من غضباته ونقماته ، التي لا يقوم لها شيء ، لا في مفاجئات الخزي في الدنيا ، ولا في الشقاء الأبدي في الآخرة .

   { ولينصرنَّ الله من ينصره }

       أما في أنصار الله فقوله سبحانه :

{ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون سورة السجدة الآية 17 }. 

       من هنا ، فإن منهاج بحثنا ، بإذن الله تعالى ، سيكون ، كما كان في كتابينا السابقين " العقل الاسلامي " و " دعوة إلى الله " انطلاقاً من القرآن الكريم متوكلاً على الله وحده لا شريك له ، مهتدياً بهديه ، مستنيراً بنوره ، داعياً إلى التظلل بظله وحده ، وإلى الإستنارة بنوره وحده ، والاستنصار بقوته وحده ، والاعتزاز بعزته وحده .

       اللهم وإني أسألك المزيد من كل خير أحاط به علمك ، لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها ، وإنهاضاً لهذه الأمة ، ونصراً مؤزراً لها ، وأنت سبحانك قد قلت في أهلها :

{ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }.

       فيا ربنا الحبيب ، يا لا إلـه إلا أنت ، يا حي يا قيوم ، أنت السميع وأنت البصير وأنت على كل شيء قدير :

      {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين .}

Home ] Up ] مفتاح المعرفة ] سلطنا الله على ما في الكون ] لباس التقوى ] من هم أصدقاؤك ] ماء السماء ] إنما يخشىالله من عباده العلماء ] كما تكونون يولّى عليكم ] االله خير اما يشركون ] بين موسى وعيسى ومحمد ]

Send mail to info@islamicbrain.com with questions or comments about this web site. 
Copyright © 2003 Islamicbrain
Last modified: 02/05/07