| |||||||||||||||||||
|
|
دفاعاً عن معرفة الله : هذه المنهجية التي ذكرناها منذ بداية بحثنا هذا ، في إصلاح النفس وترقيها وارتفاعها عن سفساف الدنيا ومطامعها ، وحتى عن المطامع في الآخرة ، وأن يعرف الإنسانُ الله لذاته ،ويعبده لذاته ويحبه لذاته سبحانه وتعالى عما يشركون . هذه المنهجية لا تخدم " الأنا " فحسب ، كما ادَّعى بعض الباحثين (1) من الذين كتبوا في علم نفس الفرد وعلم نفس الأمة (؟!) وإن كنا لمسنا في ما نقل عـن الإمام الصادق عليه السلام فيما سمـَّاه " كتابا الصادق : حقائق التفسير القرآني ومصباح الشريعة " فوائد جمة ، وكنوزاً من تأويل بعض الآيات المتفرقات ، والخروج بهذا التأويل عن حدِّيَّة الحروف والعبارات . إلاَّ أنه في مقدمة كتابه هذا ، يبدو تارة محكوماً بقوة اعتقاد العرفانيين والصوفيين ، وتارة يشن عليهم حملات لا هوادة فيها ، متهماً إياهم ، كما أسلفنا ، بالأنانية والرهبانية التي حرَّمها الإسلام حيث أنها تعتزل الناس والمجتمع . ونحن إذ نقدِّم نموذجاً من هجماته ، نذكِّر أننا إذا كنا لم ننقل من إيجابياته ، فلأننا محكومون تجاهه وتجاه أنفسنا بمضمون هذا الدعاء : " اللهمَّ ما كان من خير فهو منك لا حمد لي فيه ، وما عملت من سوء فقد حذرتنيه لا عذر لي فيه ، اللهمَّ إني أعوذ بك أن أتكل على ما لا حمد لي فيه ، أو أن آمن مما لا عذر لي فيه". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر افتراءاته في كتابه " حقائق التفسير القرآني ومصباح الشريعة" مؤسسة عز الدين ـ الطبعة الأولى 1413 هـ ـ 1993 م . وعلى هذا الأساس ، هذه عيِّنة مما قاله في الصوفيين وأهل العرفان : " المذهب الصوفي ، في ميدان القيم والجمال والمقدَّس ، مغرق في الذاتانية . وسبق أن شككنا في قدرته على أن يتعمم ، وعلى أن يقود المجتمع والمواطن ، وهو مذهب فرداني ، يدَّعي قدرته على تجاوز القانون الأخلاقي (؟!) والواجب والإلتزام الإجتماعي (؟!) . كما أننا لا نستطيع قبول مذهب في المقدس والجمال والفضيلة أو القيمة يكون تجاوزاً للإجتماعي وللأخلاقيِّ نفسه بحجة أن الإنسان [ الصوفي الفاضل ] يبني لنفسه مجتمعاً أو يشرِّع أخلاقاً وقيماً . " ثم يتابع في الفقرة التي بعد هذه ، ويتعرض فيها للفلسفة العرفانية : " إن في هذه الفلسفـة ما هو مضاد للمجتمع . " ... ( الفقرة الثالثة ص 45 ) . والحقيقة في مقابل هذه الدعوى الظالمة ، نرى أكثر مَنْ كَتَبَ وحقق في تاريخ المعرفة الإلـهية والصوفية ، على أنهما استفادات من القرآن الكريم ، من عباراته وإشاراته وأسراره ، في آيات كثيرات ، بسط معانيها رسول الله محمّد (ص) للعامة ، وأظهر بواطنها لخاصته من أهل بيته وأصحابه ، على أن أكثر أسراره أودعها ابن عمه وصهره علياً بن أبي طالب بإرشادٍ وتفضل من الله تبارك وتعالى ، ولا يختلف المسلمون في صحة الحديث ، قوله (ص) : " أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها " ولا يكادون يختلفون في قول علي (ع) " علمني رسول الله من العلم ألف باب ينفتح لي من كل باب ألف باب ." وكبار أهل العرفان وكبار الصوفيين . من الصادقين والصديقين ، ينسبون مناهجهم وسلوكهم الروحاني وتواصلهم الفكري ، بعلي بن أبي طالب عليه سلام الله ، تارة مباشرة ، وتارة ، وهو الأرجح ، عبر أبنائه وأحفاده وعامة أهل بيت النبوة عليهم السلام . وعلى هذا الأساس ، إذا كان علي بن أبي طالب (ع) هو الرمز وهو القدوة للصوفية الحقة ولأهل العرفان الصديقين ، فمن ذا يجرؤ أن يقول أن علياً (ع) كان ذاتياً أو غير قيادي كأشرف وأنبل ما تكون القيادة للأمة وللمجتمع ؟ وهو قد ملأ الدنيا ، في زمانه ، وشغل الناس ، وما يزال . وكذلك القول في أولاده الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية ، ولا سيما الحسين (ع) الذي ما زالت مواقفه في كربلاء ، تحرك الدنيا وتحرك الناس ، كلما هجعت الهمم ، واستبيحت الحقوق ، وهيمن الظلم ، واستبد طاغية ، وتغطرس عدو ، فيكفي أن تحدِّث عن الحسين وأهل بيته وأصحابه ، في آثارهم الكربلائية، لتلهب مشاعر أهل الإيمان ، وتنفخ فيهم روح النخوة والثورة وصدق العزيمة والتزاحم على الشهادة في سبيل الله . ثم الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام ، الذي اخترق المجتمع الظالم الكابي في عهد بني أمية قتلة أبيه ، الذين تنكروا لله عزت عظمته ولكتاب الله المجيد ، وحوَّلوا الخلافة إلى ملك عضوض ، لا يميزه عن جوهر الوثنية والجاهلية إلاَّ الإسم الذي هو الإسلام وشكلياته من أذان وصلاة أفرغوها من قدسيتها وغالباً ما كانوا يؤمون الناس بها مخمورين. فالإمام زين العابدين عليه السلام اخترق هذا الترس الماجن المتكالب على جيف الدنيا ، باسلوب أدبي راقٍ ، مجدِّدا الدعوة إلى الله ، بأبهى حلة من القول ، وأزهى أسلوب ، وأروع مناجاة عرفها تاريخ الدعاء ، منذ مزامير النبي داوود عليه السلام وربما إلى قيام الساعة ، حتى إنه ليدعى بحق شاعر الله . حيث ترك للأمة الإسلامية ولجميع المؤمنين من شتى الملل ، تراثاً ، أو قل كنوزاً من الدعاء والإبتهال ، مشحونة بالروحانيات ، وبمفهوم التوحيد الذي جعله محوراً أساساً لجميع أدعيته ومناجاته . مما ألف بين المؤمنين وجمع شملهم ، بعد أن كادت تعصف بهم رياح التفرقة والفساد ومكائد السلطان الغاشم . وزين العابدين هذا ، عليه سلام الله ، كان من أبرع المؤسسين بعد جدّيه محمّد (ص) وعلي (ع) وأبيه الحسين(ع) لعلم العرفان أو فلسفـة العرفان ، أو المعـرفة الإلـهية ، في جميع شؤون الحياة ، الأخلاقية منها ، والإجتماعية بأنواعها ، وحتى السياسية . وحتى كلامه عليه السلام في أدعيته ومناجاته كان له ظاهر تفهمه العامة وتستسيغه وتأنس به ، وتصلح به عقيدتها وعامة سلوكها . وباطن تفهمه الخاصة ، من الذين تفضل الله عليهم بأنواع أسراره ، من السرِّ وسرِّ السرِّ والسرِّ المستسر . وهذا نموذج مما ترك هذا الإمام النبيل علي بن الحسين (ع) مما يعتبر مثالاً متقدماً رائعاً مما يتوصل إليه أهل العرفان بفضل الله وعنايته ورعايته ، قال شعراً : إني لأكتم من علمي جواهره كي لا يرى الحقَّ ذو جهلٍ فيفتتنا وقد تقدمَ في هذا أبو حسـن ٍ إلى الحسين ووصى قبله الحسنا يا ربَّ جوهرِعلم ٍ لوأبوحُ به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنـا ولاستحلَّ رجالٌ مسلمونَ دمي يرَون أقبحَ ما يأتونـه حسنـا
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
|
Send mail to
info@islamicbrain.com with
questions or comments about this web site.
|