ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال انني من  المسلمين

 

                                         

 

 

 

هل يعدم القرآنيُّ العاديُّ فاعلية المفاتيح ؟

        أعني بالقرآني العادي ، الذي ليس في درجة الأولياء الذين  يفتح عليهم الله سبحانه  من فضله ورحمته ، من المعارف والحكمة ومغاليق المعاني والأسرار ما شاء أن يفتح ، وهؤلاء في العادة أهل عبادة ونسك واجتباء ، وهجرة عن مفاتن الدنيا  وحتى عن مغريات الآخرة ، إلى الله وحده ، الحبيب الأعظم .

        هؤلاء العارفون بالله ، قد يؤتي الله  بعضهم كذلك من المثاني التي آتى منها محمداً (ص) ما شاء سبحانه ، وهذه المثاني هي من أعلى مقامات الذكر والثناء والدعاء والتقرب إلى الله في آن واحد . وقد جاء  عنها في القرآن الكريم قوله تعالى :

        { الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانيَ تقشعرُّ منه جلود الذين يخشون ربَّهم  ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد . سورة الزمر آية 23 } .

       ولقد عقدنا عن المثاني  ومعانيها ومغازيها فصلاً في كتابنا "الحكمة الإسلامية ـ  بحوث من مقتضيات العصر " . وينبغي هنا أن لا نطيل فيها ، لكي لا نبعد عن السؤال : هل يعدم القرآني  العادي فاعلية المفاتيح ؟ أو المثاني ؟ إذا لم يكن يعلم أنها من أسرار الله في كتابه ؟

        في الحقيقة أنه من فضل الله العظيم على القرآنيين خاصة وعلى المسلمين ، بل  وعلى جميع أهل الإيمان عامة ، أن جعل الله سبحانه في قراءة القرآن الكريم فوائد جليلة للقارىء العادي في نفسه وبدنه ومتعلقاته ، وكلما كان أكثر تدبراً كان أكثر فائدة ، فضلاً عما فيه من أدعية خاصة وعامة تنال بركاتها المؤمنين أينما كانوا ، ولا سيما  تلاوة ما أسماه الله سبحانه مقاليد السموات والأرض ، أي المفاتيح التي نحن بصددها . قوله تعالى في {سورة الزمر الآية 63 } .

        { له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون } .

            وقوله تبارك وتعالى في سورة الشورى الآية 12  :

        { له مقاليد  السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء  ويقدر إنه بكل شيء عليم  } .

      من هنا وجوب الإعتبار ، أنه كلما زاد عدد قراء القرآن على مستوى الأمة ، في البيوت والمساجد والمدارس  وكل مكان تمكن فيه التلاوة ، حتى في جبهات القتال ، رفع الله عن الأمة بعضاً من غضبه وخذلانه ، وآتاها نصره على أعدائه وأعداء دينه ، وأنقذها من الهوان التي هي فيه إلى العزة التي يحبها لها والسؤدد والكرامة .

     وحتى يوم القيامة ، تتفاضل الأمم بمدى التزامها بكتبها وستحاسب أمة القرآن بالقرآن ، قوله تبارك وتعالى :

     { وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها  اليوم تجزون  ما كنتم تعملون . سورة الجاثية الآية 28 } .

      كما سيحاسب كل فرد عن نفسه ، كذلك بالقرآن ، وعن اعتقاده في كونه منزلاً من الله سبحانه على قلب رسوله محمد (ص) جملة وتفصيلا . وأن القرآن المجيد فيه صفوة  دين الله ، وهو الصراط المستقيم . وقد وصف الله سبحانه من يشك في القرآن المجيد ، أو من يكفر  بكونه من لدن الله تبارك وتعالى ، وصفاً تختلج له العروق ، وتضطرب القلوب التي في الصدور  خوفاً وجزعاً، قال تعالى في سورة المدثر:

     { ذرني ومن خلقت وحيدا . وجعلت له مالاً ممدودا . وبنين شهودا . ومهَّدت له تمهيدا . ثم يطمع أن أزيدا . كلا إنه كان لآياتنا عنيدا . سأرهقه صَعودا . إنه فكَّر وقدَّر . فقتل كيف قدَّر . ثم قتل كيف قدَّر . ثم نظر . ثم عبس وبسر . ثم أدبر واستكبر . فقال إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر . سأصليه سقر . وما أدراك ما سقر . لا تبقي ولا تذر.  الآيات  من 11 ـ 28 } .

 

ثالثاً : لكي تكون مقبولاً عند الله ولياً من أوليائه :

 

       فأول عمل تعبدي يتفضل به عليك سبحانه هو أن يتقبلك في فِنائه . ثم أن تفنى في فِنائه .. طاعةً وحباً . والفِناء دار البيت .

      أما كيف ؟ فيستحيل أن تعرف قبل أن تصل .

      وهذه أول وأهم مراحل الهجرة إلى الله سبحانه وتبارك وتعالى عما يشركون .

    ثم أن تحب الله أعظم الحب ، وإذا أحبك هو سبحانه أدخلك في بحر أحديته ، وآتاك أنواراً تصيِّرك من مصاديق قوله تبارك وتعالى :   { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكواة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دريّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور  يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم . سورة النور الآية 35 } . 

      ثم قوله تعالى :

       { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور . سورة النور الآية 40 } .

      وأن تكون :  

     { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو  والآصال . رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلواة وإيتاء الزكواة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار . ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب . سورة النور  الآيات 36 و 37 و 38 } .

        وأظهرُ هذه البيوت ، بيت نفسك .

        وأن تعي هذا الحديث الممثل لروح القرآن وأصالة العقل  ومغزى التوحيد  والتفريد والشمولية  والإحاطة والهيمنة وسائر معاني الأسماء الحسنى ، وأن تقع فيه ، وهو حديث مهيب بن الورد :

       ” إذا وقع العبد في أُلهانية  الرب ومهيمنية  الصديقين  ورهبانية الأبرار  لم يجد أحداً  يأخذ بقلبه . "

        يريد إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من أنوار الربوبية والأسماء الحسنى  ، وصرف همه  وإرادته إليها ،  عزف عن الناس ، حتى لا يميل  قلبه إلى أحد ، وأحب الله الحب الأعظم  حتى ليملك  عليه قلبه  وعقله ونفسه وأشرف أحاسيسه .

        وفي تفسير هذا الحديث في اللسان (*) قال : أي لم يجد أحداً يعجبه  ولم يحب إلا الله  سبحانه .

        وفيه ( * ) " قال ابن الأثير : هو مأخوذ من إلـَـه ٍ  وتقديرها فُعلانية بالضم  ، تقول إلَــهٌ بيِّن الإلَـهيَّة والأُلهانية ، وأصله  من ألِهَ يأله إذا تحيَّر . يريد إذا وقع  العبد في عظمة الله وجلاله  وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف  وهمه إليها أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد . "

--------------------------------------------------------------------------------

(*) (*) لسان العرب  لابن منظور ج 13 باب هـ مادة أله ص 467 دار صادر .

        نحن قلنا : عزف عن الناس  ... وأحب الله الحب الأعظم ... هكذا تكون ـ  إذا واليته  حقَّ ولايته سبحانه ـ  من الذين  اجتباهم الله وأورثهم الكتاب وأذهب عنهم الحزن في الدنيا والآخرة ، قوله تبارك وتعالى مخاطباً  رسوله محمداً (ص) ومنوهاً بورثة الكتاب من أوليائه : { والذي أوحينا إليك من الكتاب هو  الحق  مصدقاً  لما بين يديه  إن الله بعباده لخبير بصير . ثم أورثنا  الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا  فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات  بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير . جنَّات عدن يدخلونها  يحلَّون فيها  من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم  فيها حرير . وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور . الذي أحلَّنا دار المقامة من فضله لا يمسُّنا  فيها نصب ولا يمسُّنا فيها لغوب . سورة فاطر الآيات 31 ـ 35  } .

      يبدو إذهاب الحزن ـ في الآية ـ مقروناً مع الآخرة بعد دخول الجنة ، والحقيقة ، أن العبد الصالح قد يؤتى أن يكون من مصاديق هذه الآية { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن }  في الحباة الدنيا ، ولكن بعد أن يكون قد مرَّ في أنفاق ٍ من الابتلاءات في الجهادين  الأكبر والأصغر : جهاد النفس وجهاد أعداء الله وأعداء دينه على اختلاف انواعهم ومشاربـهم . فبعد أن يكتب له الفوز إذا كان من الصديقين وأهل اليقين ، يؤتيه الله سبحانه ، وبنسب ٍ تتناسب مع مؤهلاته ، أن يجد نفسه في ظلال هذه الآية الكريمة،

متعبداً بتلاوتها  بين نوم ويـقظة وإحساس عميق بانطباق معانيها عليه في المراحل المتقدمة من هجرته إلى الله سبحانه .  يداخله معها شعور عميق بالأمن والطمأنينة ، والراحة النفسية والعصبية ، ولو كان في قبضة عدوِّه أو تحت قذائفه أو في حميا معركة أو أية مواجهة معه ، ومن البديهي أن يصحبه هذا الشعور  ،  في  جميـع المواقف في حياته الإجتماعية ، فيطبعه بالحكمة والشجاعة والصفاء ، والقدرة على الفصل بين الأسود والأبيض في مجالي المعاني  والضمائر ، وحتى بين الرماديِّ والأبيض . فيكون ذلك له من جملة الثوابت التي تثبته  ولياً من أولياء الله تبارك وتعالى .

 

فإذا أصبح على بينة من ربه ، وأنه أصبح من عباده الصالحين، يصبح همه الله وحده ، ذاكراً شاكراً ، متهيباً ، خائفاً من الوقوع في أدنى خطأ قد لا يرضي الله سبحانه ، لا الماضي يشدُّه فيتحسَّر على فواته ، ولا المستقبل يشغله عن حبه لربه وعن ذكره وشوقه إليه ، حتى أنه ينشغل بحب الله سبحانه عن الجنة والنعيم الموعود ، فيصبح الله عنده ، هو جنته ونعيمه وروحه وراحته ، يأنس أكثر ما يأنس  به وحده ، بمناجاته وبالتأمل في آياته ، وكلما ناجى وتأمل ، كلما فتح الله عليه فتوحاً من العلم ، ومن بواطن الآي المدهشات ، ومن القوة والعافية  في النفس والبدن ، وتجنيبه الآفات ، ويكشف له من الحقائق ما لم يكن يحلم به ، ويؤتيه من الإحساس بالسعادة والفوز ، وقوة  اليقين ، وجمال الهداية ، ورونق الصلاح ، ما لو عرضت عليه الدنيا بأموالها وكنوزها ومغرياتها  كبديل  عن قربه لربه وانشغاله بحبه ، لا يرضى بكل ذلك بديلا .

        فهل يعيش العبد الصالح  بعض معاني الجنة الموعودة ؟ لا بدَّ من ذلك ، وقد يكون في طرف من أطرافها، وهو ما زال في الحياة الدنيا ، فروحه ونفسه في حالة انعتاق ، تتجولان حتى في عوالم الملكوت ، وحتى ـ بالنسبة  لبعض المقربين ـ وصولاً إلى سدرة المنتهى .  أما الدليل على ذلك فآية ( النفس المطمئنة ) ، وآيتا : {الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } .

        قال تبارك وتعالى : {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في عبادي . وادخلي جنتي . سورة الفجر الآيات 27 ـ 30 } .

        وقال سبحانه : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم في الحيواة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدَّعون. سورة فصلت الآية 30 و 31 } .

       وقوله جلَّ وعلا : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . سورة الأحقاف آية 13 } .

        ليتم لنا تحسس اطراف الجنة الموعودة والنعيم المقيم ، أول شرط ينبغي أن يتوفر فينا هو طمأنينة النفس  ، أي الشعور شبه الدائم  بالطمأنينة  والسكينة . لكي يصحَّ ـ بموجب الآية الكريمة الأولى ـ أن النفس راضية وتبعاً لرضاها  بالله وبما قسم الله تكون مرضية . ولا يحصل الإطمئنان  الكلي إلا مع  اليقين بوجود الله وبإحاطته بالكون ومفرداته ـ ومنها الإنسان ـ إحاطةً كلية . وبأن الله سبحانه وتعالى : { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم . سورة الحديد الآية 3 } .

        فإذا حصل هذا الإيمان بأعلى درجات اليقين . يأتي شرط آخر  لا ينفك عن الشرط الأول  لحصول الطمأنينة ومعها الرضى ، هذا الشرط  هو الإستقامة . والإستقامة  هي الطاعة ، والطاعة  هي الإئتمار بأوامر الله والإنتهاء بنواهيه .

        فإذا تكامل هذان الشرطان : الإيمان بالله ومعه الاستقامة ، كان  الإنسان معهما على أطراف  الجنة ، مقبولاً عند الله ، راضياً مرضياً في الدنيا  والآخرة .

        وهذه المعاني هي من الحقائق القرآنية ، فيقول الله عز وجل أنه في السماء إلـه  وفي الأرض إلـه وقوله سبحانه أنه معكم  أينما كنتم ، وقوله عزت عظمته ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  ... ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم . ثم قوله للنفس المطمئنة :  يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية .. الآية . ألا يعني هذا ، أن جنته سبحانه وتعالى لها أطراف  في الدنيا تتحسسها النفوس المطمئنة الراضية بربها  المرضية عنده  في الدنيا وفي الآخرة .

       ومن حقائق كون النفس  المطمئنة  تلامس أطراف الجنة  الموعودة  أن الملائكة  يواكبون أهل الطاعات وأهل الصلاح في الدنيا ، والملائكة خيرات وبركات ، هم قوى نورانية واعية مأمورة بحفظ الإنسان المستقيم في نومه ويقظته ، وحله وترحاله . وعندما نقول بحفظ   الإنسان المستقيم ، يعني توليه بالحراسة والحماية وتجنيبه العثرات ، وطرد الشياطين  عامة ومنها الميكروب وأنواع الفيروس وجميع مسببات  أو مستدعيات الأمراض الخطيرة . والملائكة  يقومون بمهماتهم وخدماتهم  بموجب منهجية من لدن الله تبارك وتعالى ، إذ يكون هو رقيبهم وحسيبهم بواسع علمه  ورحمته : قال تعالى : { ولقد خلقنا  الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان ... } والمتلقيان ملاكان كما هو محقق .

        ذلك معنى  الولاية ، ولاية الملائكة للإنسان المستقيم في الآية :  { تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا .. نحن أولياؤكم  في الحياة الدنيا .. }  فقوله تعالى : ألا تخافوا ولا تحزنوا : يتداخل فيه الأمر  بالخبر . فالأمر  من الله على  ألسن الملائكة  يأمرون المؤمنين  إلهاماً ألا تخافوا ولا تحزنوا ..  والخبر أن الملائكة كذلك مأمورون  من الله جل شأنه أن يحولوا بين المؤمنين هؤلاء  وبين أن يخافوا أو أن يحزنوا . وجميع هذه  الحالات، يحكمها الله سبحانه  ويرعاها  بمبدأ  النسبية المتعلقة بتفاوت إيمان المؤمنين  وتفاوت إخلاصهم  وصدقهم وولائهم لله سبحانه وتعالى عما يشركون . فالمؤمن  بالله ، المستقيم على الطريق المؤدي إلى الله ، لا يخاف ولا يحزن ، وهو مأمور الآَّ يخاف ولا يحزن . وهذا معنى الآية الثالثة : { إن الذين قالوا ربُّنا الله  ثم استقاموا فلا خوف عليهم  ولا هم يحزنون  } .

Home ] Up ]

Send mail to info@islamicbrain.com with questions or comments about this web site. 
Copyright © 2003 Islamicbrain
Last modified: 02/05/07