ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال انني من  المسلمين

 

                                         

 

 

 

 

حقيقة الإدراك من الذرَّة إلى المجرَّة :

       لا شك أن العقل هو  الميزة الكبرى التي تميز الإنسان عن سائر المخلوقات ، إلا أن هذا لا يعني  عدم الوعي أو الإدراك النسبي  لدى المخلوقات غير العاقلة ، من الجمادات إلى النبات  إلى الحيوان ، إلى الإنسان الذي سخَّر له الله ما في السماوات وما في الأرض  جميعاً منه سبحانه .

       والحقيقة ، إنه ثبت بوضوح ، أن لا شيء في الكون المعروف،  له صفة الجمود الحقيقي ، من الذرة إلى المجرة ، بل الأشياء كلها في حركة دائمة دائبة . حتى تماسك الحديد  الظاهري ، ليس هو كما نحسُّه  ونفهمه ، بل هو ربما بالنسبة لمخلوق أرقى من الإنسان ، وأكثر إحاطة وأبصر ،  سيبدو مختلف المظهر والملمس ، وقد تظهر  ذرات الحديد لهذا المخلوق الأعلى من الإنسان ، كما تظهر لنا نحن ، عبر التلسكوب ، المجموعة الكوكبية  في أبعادها عن بعضها في حركتها المتصلة .

       المناظير  المكبرة والمقربة العجيبة ، التي  علمها الله للعلماء، تحكي حكايا  من هذا القبيل . ومن هنا أيضاً ، إن لهذه الأشياء  نسب من الوعي ، درَّجها فيها  خالق كل شيء ، المحيط بكل شيء الله العلي القدير .

       ومن الأهمية بمكان ، معرفة أن الإنسان مجرداً من العقل ، هو أرقى وعياً وإدراكاً وغرائز ، من جميع الكائنات المحسوسة . أما بالعقل ، فهو أقدس من ذلك ، إذ أن العقل صلته مع خالق الأكوان الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر . فأرضنا هذه التي نحن عليها والصخور التي فيها ، والجمادات (ظاهرياً) لها نسبة من الوعي . ـ إلا أن النبات أظهر حياة  وإحساساً  ، كما أن الحيوان درجته وميزاته على النبات واضحة . وهكذا ترجح المعطيات عند الإنسان على الجميع ، وعياً وإدراكاً وغرائز ، وإرادة ومنهجية . وكل ذلك بدون العقل ، فالعقل أقدس من كل ذلك .

       وهكذا ، فلم يعد عبثاً ، أو مجازاً ، فهمنا لقول الله عز وجل  ، للسماوات والأرض :

       { ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين . سورة فصلت الآية 11 } .

      وقوله تعالى :

       { تسبح له  السماوات والأرض  ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفورا . سورة الإسراء  الآية 44 } .

      ثم قوله عز وجل :

{ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . سورة يونس الآية 61 } .

      فإذن نستنتج  من الآية الأولى أن الأشياء واعية ، والحقيقة أنه لا معنى  لتسبيح الأشياء  وهي لا تعي ما تفعل  } .

       حتى الحياة ، هي  مفهوم نسبي أيضاً ، فكما نفهم الحياة للإنسان وللحيوان والنبات  بدلالة  الحركة وردود الفعل ، فكذلك هي للجمادات ( الظاهرية ) ، وحتى  لأرضنا هذه وللشمس والقمر  وبقية الأجرام  السماوية ، وذلك أيضاً في صريح قول الله عز وجل في الآية الثانية .

       فكل  هذه المجسمات ،  من الإنسان  إلى المجرات إلى بقية الكائنات الأرضية والسماوية ،  مبنية على الذرة ، أو النظام الذري . وأصبح معلوماً وببساطة أن في الذرة حركة لأجزائها لا تهدأ.  و ( الكتاب المبين )  المذيلة به الآية الكريمة ،  هو الحقائق الباطنية للأشياء ، فضلاً عن حقائقها الظاهرية ، ومن قبيل ذلك ، التركيب الذري للكون وأجزائه ، بما في ذلك أسرار الذرة  وأسرار أجزائها .

       وهكذا فإن جميع ما في هذا الكون متناغماً ، متناسقاً ، يسبح بحمد ربَّه ، واعياً مدركاً حقيقةً لا مجازاً . إلا البشر ، فإنهم انقسموا فريقين : فريقاً للجنة وفريقاً للسعير .

       إن درجات الوعي  في الكائنات ، هي حقائق مرهونة  بالألوان والأشكال . والجواهر هي معاني الحقائق وتفاعلها ونتائجها وتوجهاتها ضمن النواميس الإلـهية . ندرك  أن فيها  من وجوه الحكمة ، وإظهار  سلطان العقل ، وقوة النفس  إذا انقادت إليه وانعتقت به ، فتحررت من حبس ما تحت السماوات السبع إلى سدرة المنتهى ، مرتمسةً بنوره منغمرة ً برحمته ، على أنفاس مشتاق ٍ إلى الله الحبيب الأبدي ،  في صعوده  يخترق السماوات بصوته يقول : لا إلـه إلا الله .

   بلى ، هكذا فإن من خصائص العقل ، أن تنفتح له السماوات بإذن الله الحبيب الأبدي . وهذا لا يقال عن النبات أو الحيوان أو الإنسان اللارباني . فالنبات ليس له قدرة على فهم الحيوان ، أو الإفادة منه ، والحيوان يفهم النبات ومنافع النبات فيقبل عليه وكذلك  يتفاعل مع أبناء جنسه ، ولكن دائماً موجهاً بدافع الغرائز ، توجهاً لا يخالفه مختاراً أبداً ، وذلك لأنه  ليس لديه الملكة التي تحدد له المسار والهدف ، يعني ليس عنده خيارات لأن ذلك  يحتاج إلى نفس فيها قابلية أن تستلهم وتختار ، كما هي  الحال عند إنسان النوع قبل أن يصبح ربانياً ، فإذا أصبح ربانياً ،  تصنَّف درجة عليا دونها درجة إنسان النوع وما دونه نزولاً في سلم الخلق .

       من مهمات العقل وحده إذن ، المنهجية التي تؤدي إلى  الكمال ، الكمال الذي يتناسب مع العقل ، هذا الذي  يسود ما دونه ، ويقود إلى الأبقى والأجمل .

       ورضوان من الله أكبر لو كانوا يعلمون .

 

Home ] Up ]

Send mail to info@islamicbrain.com with questions or comments about this web site. 
Copyright © 2003 Islamicbrain
Last modified: 02/05/07