| |||||||||||||||||||
|
|
حقيقة الإدراك من الذرَّة إلى المجرَّة : لا شك أن العقل هو الميزة الكبرى التي تميز الإنسان عن سائر المخلوقات ، إلا أن هذا لا يعني عدم الوعي أو الإدراك النسبي لدى المخلوقات غير العاقلة ، من الجمادات إلى النبات إلى الحيوان ، إلى الإنسان الذي سخَّر له الله ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه سبحانه . والحقيقة ، إنه ثبت بوضوح ، أن لا شيء في الكون المعروف، له صفة الجمود الحقيقي ، من الذرة إلى المجرة ، بل الأشياء كلها في حركة دائمة دائبة . حتى تماسك الحديد الظاهري ، ليس هو كما نحسُّه ونفهمه ، بل هو ربما بالنسبة لمخلوق أرقى من الإنسان ، وأكثر إحاطة وأبصر ، سيبدو مختلف المظهر والملمس ، وقد تظهر ذرات الحديد لهذا المخلوق الأعلى من الإنسان ، كما تظهر لنا نحن ، عبر التلسكوب ، المجموعة الكوكبية في أبعادها عن بعضها في حركتها المتصلة . المناظير المكبرة والمقربة العجيبة ، التي علمها الله للعلماء، تحكي حكايا من هذا القبيل . ومن هنا أيضاً ، إن لهذه الأشياء نسب من الوعي ، درَّجها فيها خالق كل شيء ، المحيط بكل شيء الله العلي القدير . ومن الأهمية بمكان ، معرفة أن الإنسان مجرداً من العقل ، هو أرقى وعياً وإدراكاً وغرائز ، من جميع الكائنات المحسوسة . أما بالعقل ، فهو أقدس من ذلك ، إذ أن العقل صلته مع خالق الأكوان الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر . فأرضنا هذه التي نحن عليها والصخور التي فيها ، والجمادات (ظاهرياً) لها نسبة من الوعي . ـ إلا أن النبات أظهر حياة وإحساساً ، كما أن الحيوان درجته وميزاته على النبات واضحة . وهكذا ترجح المعطيات عند الإنسان على الجميع ، وعياً وإدراكاً وغرائز ، وإرادة ومنهجية . وكل ذلك بدون العقل ، فالعقل أقدس من كل ذلك . وهكذا ، فلم يعد عبثاً ، أو مجازاً ، فهمنا لقول الله عز وجل ، للسماوات والأرض : { ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين . سورة فصلت الآية 11 } . وقوله تعالى : { تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفورا . سورة الإسراء الآية 44 } . ثم قوله عز وجل : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . سورة يونس الآية 61 } . فإذن نستنتج من الآية الأولى أن الأشياء واعية ، والحقيقة أنه لا معنى لتسبيح الأشياء وهي لا تعي ما تفعل } . حتى الحياة ، هي مفهوم نسبي أيضاً ، فكما نفهم الحياة للإنسان وللحيوان والنبات بدلالة الحركة وردود الفعل ، فكذلك هي للجمادات ( الظاهرية ) ، وحتى لأرضنا هذه وللشمس والقمر وبقية الأجرام السماوية ، وذلك أيضاً في صريح قول الله عز وجل في الآية الثانية . فكل هذه المجسمات ، من الإنسان إلى المجرات إلى بقية الكائنات الأرضية والسماوية ، مبنية على الذرة ، أو النظام الذري . وأصبح معلوماً وببساطة أن في الذرة حركة لأجزائها لا تهدأ. و ( الكتاب المبين ) المذيلة به الآية الكريمة ، هو الحقائق الباطنية للأشياء ، فضلاً عن حقائقها الظاهرية ، ومن قبيل ذلك ، التركيب الذري للكون وأجزائه ، بما في ذلك أسرار الذرة وأسرار أجزائها . وهكذا فإن جميع ما في هذا الكون متناغماً ، متناسقاً ، يسبح بحمد ربَّه ، واعياً مدركاً حقيقةً لا مجازاً . إلا البشر ، فإنهم انقسموا فريقين : فريقاً للجنة وفريقاً للسعير . إن درجات الوعي في الكائنات ، هي حقائق مرهونة بالألوان والأشكال . والجواهر هي معاني الحقائق وتفاعلها ونتائجها وتوجهاتها ضمن النواميس الإلـهية . ندرك أن فيها من وجوه الحكمة ، وإظهار سلطان العقل ، وقوة النفس إذا انقادت إليه وانعتقت به ، فتحررت من حبس ما تحت السماوات السبع إلى سدرة المنتهى ، مرتمسةً بنوره منغمرة ً برحمته ، على أنفاس مشتاق ٍ إلى الله الحبيب الأبدي ، في صعوده يخترق السماوات بصوته يقول : لا إلـه إلا الله . بلى ، هكذا فإن من خصائص العقل ، أن تنفتح له السماوات بإذن الله الحبيب الأبدي . وهذا لا يقال عن النبات أو الحيوان أو الإنسان اللارباني . فالنبات ليس له قدرة على فهم الحيوان ، أو الإفادة منه ، والحيوان يفهم النبات ومنافع النبات فيقبل عليه وكذلك يتفاعل مع أبناء جنسه ، ولكن دائماً موجهاً بدافع الغرائز ، توجهاً لا يخالفه مختاراً أبداً ، وذلك لأنه ليس لديه الملكة التي تحدد له المسار والهدف ، يعني ليس عنده خيارات لأن ذلك يحتاج إلى نفس فيها قابلية أن تستلهم وتختار ، كما هي الحال عند إنسان النوع قبل أن يصبح ربانياً ، فإذا أصبح ربانياً ، تصنَّف درجة عليا دونها درجة إنسان النوع وما دونه نزولاً في سلم الخلق . من مهمات العقل وحده إذن ، المنهجية التي تؤدي إلى الكمال ، الكمال الذي يتناسب مع العقل ، هذا الذي يسود ما دونه ، ويقود إلى الأبقى والأجمل . ورضوان من الله أكبر لو كانوا يعلمون .
|
Send mail to
info@islamicbrain.com with
questions or comments about this web site.
|