ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال انني من  المسلمين

 

                                         

من مفاتيح المعرفة:الايمان بما نزل على محمد الدماغ-الزيتونة او المفاعل النووي المعجز حقيقة الادراك الانسان مثلث الانفس روعة الانسان بين العقل والنفس والدماغ روح القرآن:الدعوة الى الله

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم  

مفتاح المعرفة

 

       قيل لرسول الله (ص) كيف عرفت الله ، قال : بالله عرفت الله.

       المعرفة في هذا العصر ، قضية خلاف بين السماويين والأرضيين ، وسيستمر حولها الجدل بين الفلاسفة وعامة أهل الفكر ، من حيث تعريفها وتحديد عناصرها ، ومضامينها .

       وكوننا مسلمين ، أهل دين منزل ، بكتاب منزل ، على نبي مرسل ، فنحن أحقُّ الناس بالتعامل مع هذا الموضوع ، موضوع المعرفة ، تعاملاً واعياً لا لبس فيه ولا شك ولا تعقيد .

المعرفة بالمنظور الإسلامي :

================

       المعرفة هي مجموع الحقائق التي يحتاج الإنسان إلى التألـُّف معها ، ليجد نفسه ، مستقراً  ،  نفسياً  وبدنياً ، وبالتالي حياتياً وأبدياً .

       والحقائق العليا هي المطلب الأعلى .

       وهذه الحقائق العليا يستحيل التوصل إليها دائماً بالتجارب ، سقوطاً وارتفاعاً ووصولاً وفشلاً ، ولو بعد آلاف الأجيال من عمر البشرية . لسبب واحد ، هو أن الكون الذي أمام الإنسان معظمه مغلق ، أو غائب عن حسه وبصره ، وضمناً  عن أدواته وأرقامه واختراعاته . يعلم ذلك الإنسان العادي ، ويؤكده أفذاذ العلماء في مخابرهم ومراصدهم ، وأجهزتهم التي هي على مستوى الإنسان المحدود ، مذهلة ، ولكنها ليست كذلك بالنسبة لما هو مذهل أكثر منها ، وبلا قياس : الكون المرئي ، والفلك  المرصود ، وسياسة المجرات الهائلة المعقدة على سبيل المثال ، فكيف بالنسبة لما هو غير مرئي .

       أما عن التجربة في مجال الكشف العلمي والبناء العلمي ، فهي من أجمل الضرورات  وأجلِّها وفي الضرورات جمال وجلال .

       وأما عنها في مجال الغيب ، غيب ما فوق السماء الظاهرة ، وحتى غيب ما في النفس البشرية  ، ثم الأهم الأعظم بلا قياس ، غيب علام الغيوب  ، المتقن لهذا الكون المحكم ، شكلاً واتساعاً وجمالاً ، والمحكم  روحاً وأسراراً  وجلالا . فإن التجربة  لا تؤتي علماً ولا فهما . قال تبارك وتعالى :

      { بسم الله الرحمن الرحيم  آ لـم  ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين الذين  يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة ... سورة البقرة  } .

      فـ { آلـم } مفتاح من مفاتيح المعرفة ، من مفاتيح الكتاب ، أي القرآن الكريم ، والقرآن الكريم كون يفهم به الكون الخارجي ، والعكس صحيح ، أي كذلك يفهم القرآن الكريم بدراسة الكون الخارجي ، شكلاً وروحاً ، فـ { آلـم } كذلك من مفاتيح السماوات والأرض . وهذا أمر يمكن التوصل إليه حتى بالتجربة . وقد سبق أن جرَّب ذلك الدكتور رشاد خليفة المصري ، الذي كتب في ذلك دراسة  حول هذا الموضوع ، يوم كان مبعوثاً في الأمم المتحدة . ولعلها أول دراسة عن القرآن استعمل فيها الكمبيوتر .

       وقوله تعالى : { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين } أي لا شك فيه منزلاً يقيناً من لدن رب العالمين وفيه من المعارف عن الحقائق العليا الكثير الوافي  والكافي شهد الله بذلك , وشهد أولوا العلم منذ أربعة عشر قرناً وما زالوا يشهدون وكفى بالله شهيـدا  .  وكذلك  {  هدىً  للمتقين  }  وكونـه   { هدى }  و{ للمتقين } هذا أمر حاصل بالتجربة . كما إنه بالتجربة حصل اليقين بأنه  { لا ريب فيه } . أما سبب الثناء على هؤلاء المتقين،  وهو قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب  ويقيمون الصلواة .. }  هو هذا الباب الأعظم من أبواب المعرفة ، أنهم يؤمنون بالغيب ، وبدون هذا الباب  تبقى المعرفة ناقصة ، وقد  يتزايد هذا النقص مع  الغرور العلمي التكنولوجي ، وينعكس سلباً على أصحابه ، قال تعالى : { ولقد خلقنا الأنسان  في أحسن تقويم . ثم رددناه اسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ـ سورة التين  آية 4 و 5 و 6}.

       وفي قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة.. } إعلام يتضمن مدحاً  ، أو مدح يتضمن إعلاماً ، مفاده أن الإيمان بالغيب وإقامة الصلواة ، هما ركنا الهداية الأساسيان.أما الغيب ، ففي مقدمته غيبه هو سبحانه ، أي احتجابه عن خلقه، وذلك لأسبـاب أهمهـا أن خلقه لا يتحملـون مواجهـة نـوره الذاتـي :

{ فلما تجلَّى ربُّه للجبل  جعله دكاً وخرَّ موسى صعقا ـ سورة الأعراف آية 143 } وأما الصلواة فهي لاستمرار الصلة به سبحانه من قبل عباده ، وذلك لإدامة تلقيهم الفيض من نوره وعطاءاته ونعمه ، هداية وسداداً ورشاداً ورعاية للأنفس والأبدان ، ولجوءاً إليه  من آفات الدهر وآفات الفقر في الدين والدنيا . وبدون هذه الصلة أو الصلواة  يحصل الإنقطاع . كمثل انقطاع التيار الكهربائي أو انطفاء السراج : فالله يُعرض بنوره وعزته وجلاله وكبريائه ، والإنسان يقع في الكارثة : في ظلامه وضلاله وضياعه ، بمجرد الإعراض عن ربه  وعن آياته وكتبه . قولـه تبـارك  وتعالـى   :

{ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ـ سورة محمد آية 11 } ومعنى  { مولى الذين آمنوا } أي كافلهم وضامنهم وكافيهم وشافيهم ومشرفهم بإحدى الحسنين النصر أو الشهادة . فإذا كنت تسترزق الله وحده ، وتخافه وحده ، وتحبُّه الحب الأعظم وحده ، ولا تظن ألوهة في غيره ، تولاك الله سبحانه ، أي رعاك وحفظك وأجارك ، ورزقك علماً وعملاً ، وكفاك شر ما يرى وما لا يرى ، وكلما زاد ولاؤك لربك ، زادت رعايته سبحانه لك ، حتى ليصبح سمعك الذي تسمع به وبصرك الذي تبصر به وحتى يدك التي تبطش بها : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى . سورة الأنفال آية 17 } .  

       أما قوله تعالى : { وأن الكافرين لا مولى لهم } أي لا ولاية لهم من قبل الله سبحانه أي لا رعاية ولا حصانة ، ولا حفظ ، يكلهم لأنفسهم ولمن يتولون هم من خلقه ، ومن يتولَّ المخلوقين

من دون الله ، يخذله الله ، ولا يبالي به في أي واد ٍ هلك . لذلك نرى الأمراض النفسية والبدنية تستشري على مستوى العالم رغم التقدم المزعوم للطِّبين النفسي والعضوي ، ونجد كثرة من أنواع الشياطين تعبث بأجسام الناس وتحيِّر الطب والدواء والمختبرات ، وهي بين الميكروب والفيروس وأنواع الإيدز والسرطان ، وقائمة المستجدات الفتاكة طويلة ، حتى إنها أخذت تهدِّد الإنسان من داخل غذائه ، ولا سيما من الأبقار البريطانية المجنونة ، وهي تصدر إلى بلاد العالم  بأعداد وفيرة . وقضية التأثر العضوي بما يأكل الإنسان ويشرب ، قضية علمية متفق على صحتها . فإذا لم يكن هناك حصانة من الله ، فالكوارث واقعة لا محالة ويكفي استعراض أعداد المرضى في المستشفيات التي أصبحت بهم مزدحمة ، واستعراض أمراضهم ، ثم أعداد الموتى المتزايدة بهذه الأمراض .

       وهل حصانة الله للمؤمن ، تجنبه هذه الكوارث ؟ يقيناً تجنبه ، ويقيناً تحفظه ويقيناً ترفع منزلته عند ربه وعند الناس وفي منجاة من الشياطين  مما دقَّ وصغر أو كبر وعظم . قال تبارك وتعالى :

{ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان  فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه  يلهث وإن تتركه يلهث ذلك مثل  الذين كذبوا بآياتنا  فاقصص القصص لعلهم يتفكرون . سورة الأعراف آية 176 } . فهذه الآية الكريمة من المعارف العالية ، عن الحصانة ، وعن ماهية الحصانة ، وكيفية الحصانة ، ضد الشياطين ، ما دق من أنواع الميكروب والفيروس وما عظم من أنواع  ما يرى من البشر  وما لا يرى من غير البشر .

       تلزم نفسك بآيات الله ، توقن بها ، تعتمدها عملياً ، فأنت في حصانة ، وكلُّ ذي قوة شريرة في خوف منك أو في شغل عنك . وأنت في رضى  من الله تعالى ، يعني في عافية . لولا بعض العقوبات  أو البلاءات للمؤمنين التي هي دائماً في مصلحتهم ، سواء  كانت عقوبة بعدها الراحة والفرج ، أو كانت امتحاناً بغية النجاح ورفع الدرجة .

       أما إذا انسلخت من الآيات ، يعني صددت عنها وأعرضت ، أو استهزأت بها وكفرت ، وهي تدعوك لرحمة الله ورأفته ورعايته وعنايته وحفظه ، فأنت مكابر ، وأنت مستكبر ، وأنت كما قال الله في الآية العظيمة ، فراجع الآية وتمعَّن بمعانيها ، لعلك ترجع من الآية معافى ، فتعود إنساناً سويا .

       من أراد مفاتيح المعرفة ، فليصْدقنَّ مع الله ، يؤته إياها ، أو يؤته منها : { له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم . سورة الشورى آية 12 }.

       وفي معنى الآية : له مفاتيح السماوات والأرض ، فمقاليد جمع مقلاد وهو المفتاح والسماوات والأرض مجمل الكون جملة وتفصيلاً . و  { يبسط .. ويقدر } أي يُكثِر ويُقِل من كل عطاء فيه خير  ومنفعة ومصلحة وحق وجمال ، والمعرفة من جملة الرزق : معرفة الحقائق ، الفصل بين ما هو حق وبين ما هو باطل ، بين ما هو  ضار  وبين ما هو نافع ، بين ما هو محي ٍ وبين ما هو قاتل . وفي خانتي الثواب والعقاب : التعليم من الله عز وجل والتقريب إليه  ، أو الإبعاد عنه  انتقاماً ومقتاً . قال تبارك وتعالى : { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم انفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون .. سورة غافر آية 10 } .

       تقرب إلى الله ، يتقرب إليك ، ادعه تجده قريباً مجيبا ، ادع غيره يعرض  الله عنك ويكلك إليه ، والغير  فقير ضعيف عند الله ولو كان جبريل أو كان رسولاً نبيا ، أو إماماً ولياً . قوله تبارك وتعالى  : {ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه  ما يملكون من قطمير . إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءَكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير . سورة فاطـر ـ آية 13 و 14 } .

       أو قوله تبارك وتعالى : { وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا . وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا . قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا . قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشدا . قل إني لن يجيرني من الله أحد  ولن أجد من دونه ملتحدا . سورة الجن  من الآية 18 إلى 22 }. 

       والآيات مشرقات المعاني واضحات ، لولا كلمة { قطمير } ومعناها ذلك العرق الأبيض  الذي في شق النواة ، نواة التمر ، دلالة  على أن المخلوقين  لا يملكون حتى أقل وأرخص الموجودات. وكذلك أبسط الإمكانات ، فمن كان  لا يملك القوة  ولا يملك السيطرة  على أنواع الرزق ، فكيف يجيب أو يلبي إذا دعاه أحد مستنجداً أو مستغيثاً أو مسترزقا .

       أما مجموعة آيات سورة الجن فيزيد فيها عن المنع  الواضح والحاسم  عن دعاء  غير الله . قوله لرسوله محمد (ص ) : { قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشدا  } . فبموجب مجموع هذه الآيات ، إن محمداً (ص) لا يملك من قطمير في مجال الرزق  ولا يملك القوة لينفع أو يضر ، فالمالك لكل ذلك هو الله وحده ، وناصية محمد بيده ، وكذلك نواصي جميع خلقه . فمن أين إذن قدرة محمد على التبليغ ، وعلى  الصبر ، وعلى الجهاد الأروع في سبيل مولاه رب العالمين ؟ كل ذلك  من الله تبارك وتعالى . إسمع قوله سبحانه له (ص) : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا . إذن لأذقناك ضعف الحيواة وضعف المماة ثم لا تجد لك علينا نصيرا . سورة الإسراء آية 74 } .

       وكذلك قوله تعالى له :

      { ولقد أوحي إليك كما أوحي إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين . سورة الزمر آية 65 } .

       وهكذا صنع الله محمداً  (ص) وأعلاه ونصره بعد أن جعله  يقود أعظم ثورة في تاريخ البشرية على الظلم والفساد وألوان الكفر وألوان الشرك في التاريخ العالمي .

       رباه وبناه هذا البناء المحكم الفذ ، وعرَّفه الحقائق الناصعة  في نفسه وفي ربه سبحانه ، وفي الخلق وفي الكون ، ومدحه ، قال سبحانه يثبته :

{بسم الله الرحمن الرحيم  ن . والقلم وما يسطرون . ما أنت بنعمة ربك  بمجنون . وإن لك لأجراً غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم . سورة القلم . مطلع السورة }.

      وهل يكون الإنسان على هذا الأساس ، فقط أداةً للتلقي ، لا يملك حتى الاختيار والأهلية  لأن يكون شيئاً مهماً أو لا يكون ؟! .

نعمة التخيير من مفاتيح المعرفة :

================== 

       لنسمع عن الاستعداد  الشخصي ، وعن ضرورة أن يكون الإنسان  مختاراً ، وعن مدى ما يترتب على  الاختيار والاعتقاد والبذل من أهمية ، قوله تبارك وتعالى :

       { فأما من أعطى واتقى . وصدَّق بالحسنى . فسنيسره لليسرى . وأما من بخل واستغنى  وكذب بالحسنى  فسنيسره للعسرى . سورة الليل  الآيات من 5 إلى 8 } .

      فقضية الاختيار الشخصي ، والاعتقاد بعد التفكر والتأمل ، وبلا إكراه  ،  والأهلية الأخلاقية  من حيث البخل والكرم ، والتصديق بالنفس الطيبة ، أو التكذيب ولؤم السجية ، وما يترتب على ذلك من جزاء  هو التيسير  بلوغاً  إلى أعلى درجات الفلاح ، أو التعسير  هبوطاً إلى الدرك الأسفل من النار  نجد كل ذلك في ثنايا كلمات  هذه الآيات .

       ومن وجوه معانيها كمفاتيح للمعرفة :

      {فأما من أعطى }  أي من ماله  وجهده ووقته في سبيل الله ، حباً وتكرماً ،  { واتقى } أي على رجاء وتخوُّفٍ من تقبُّله  سبحانه أو إعراضه ، إضافة إلى الحرص على الاستقامة وعدم التلبس بمعصية ، والمداومة على الذكر ، والتوبة النصوح في حال الذنوب . ثم أضاف إلى هذا ، العلم والفهم  ولا سيما في معرفة الله سبحانه  وذلك هو معنى { وصدَّق بالحسنى } أي بأسماء الله الحسنى وأمثاله العليا وما تتضمن هذه الأسماء  من معانٍ تستقطب الكون ونشاطاته  والإنسان ومعطياته وأسراره التي فيه وفي محيطه ، وفي ماضيه ومستقبله . هذا النموذج ، يجزيه الله سبحانه بمقدار ما نوى وما عمل  أحسن الجزاء ، بدءاً بإصلاح نفسـه  ،  مـروراً  بتيسير  أمـوره في الحيـاة الدنيـا ، وصـولاً  إلـى { اليسرى} النهائية في الآخرة ، بين الزحزحة  عن النار ، وبين عليين  وسدرة المنتهى .

       وأما من بخل بكل مكرمة ، وأعرض عن الله  وعن آياته وكلماته ، واستقل أو استغنى عن الله تعالى معتمداً على قوته وعلى القوى المزعومة الأخرى ، مكذباً ، جانحاً إلى الغدر والمكر والخديعة ، أو  إلى الكفر والعناد ، فجزاؤه  أن يمهِّد له الله سبحانه الدرب إلى  .. الهاوية  ، بعد ضلال وضياع في الحياة الدنيا ونكبات .

       ونعمة التخيير ، هي سبب التفاوت في العزم بين المؤمنين ، وبين الأنبياء  وأصحاب الرسالات ، ويكفي  لفهم مدى أثرها وأثر المبادرات الشخصية ، في طاعة الله جل شأنه ، أن نتذكر قول الله تعالى في أبينا آدم عليه السلام :

       { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي  ولم نجد له عزما . سورة طه آية 115 } .

       أما أعظم مفاتيح المعرفة على الاطلاق فهو الاستشعار الدائم بقوة حضور الله سبحانه . وهذا الأمر يجهله أكثر الناس  ولا سيما  المشتغلين  بالتبليغ  أو أي نوع من أنواع الدعوة  إلى الله تعالى  ، أو الجهاد في سبيله . وللإلمام بشيء من معنى قوة حضوره سبحانه ، يجب اللجوء إلى بعض مفاتيح المعرفة التمهيدية لهذا الأمر ، ولعل أهمها قوله تبارك وتعالى :

       { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم . سورة الحديد آية 3 } .

       هو أي الله عزت عظمته ، الأول ، لا قبل قبله ، فمن استطاع أن يثبت قبل الله شيئاً أو أحداً  فليقدمه للبشرية . وقد فعل ذلك بعض علماء الفيزياء  في كلام عن المادة ، إلا أن السؤال : ومن خلق المادة ، هوَّن من شأنهم وأثبت عجزهم . أما عن وجود أحد ، فلا بد أن يكون خالق الخلق ولا خالق غير الله ، ومعروفة عند أهل المنطق والفلاسفة قضية الدور والتسلسل وبطلانهما ، ولن ندخل في ذلك لاستغنائنا بالدليل  من كتاب الله المجيد : قوله تعالى :

       { قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً قل هل يستوي الأعمى والبصير وهل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق  كل شيء وهو الواحد القهار . سورة الرعد آية 16 } .

       ربَّ من يقول هذا استشهاد بكلام الله ، وفي الناس من لا يؤمن أصلاً بالله ، أو أنه يؤمن بالله ولا يؤمن بكتبه ، أو يؤمن ببعض كتبه ولا يؤمن بهذا القرآن .

       أما القول في من لا يؤمن بالله ، فهو مدان بقول الله عز وجل: { وإذ أخذ  ربك من بني آدم  من  ظهورهم  ذريتهم وأشهدهم  على أنفسهم ألست بربكم  قالوا بلى شهدنا . أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا إنما  أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون . سورة الأعراف  آية 172 و 173 } .

       أما الإيمان بالله وعدم الإيمان بكتبه ، فكذلك هو نوع من الكفر بقدرة الله على  إرسال الرسالات مع رسل من الناس ، ففي نفس الوقت إيمان وكفر هو إيمان أخرق ، والإيمان  بإلـه غير قادر ، هو والكفر الأصلي سواء . وأما الإيمان بالله وكتبه ما عدا القرآن الكريم، فهو كامل الشبه بمن يؤمن بالله ولا يؤمن بجميع كتبه ، أي هو كفر بقدرة الله على إنزال كتاب خاتم للكتب مصدق بها مهيمن  عليها ، على رسول خاتم للنبيين ، خاطبه الله تعالى بقوله :  {وأنزلنا إليك  الكتاب بالحق مصدقاً  لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم  بما أنزل الله ولا تتبع اهواءهم عما جاءَك من الحق لكل ٍ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم  فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . سورة المائدة آية 48 } .

       أما من لا يؤمن بالله أصلاً ، فلا يضرُّ أجيال البشرية ولا أعلامها الذين هم ذؤابات التاريخ وحججه من أنبياء وأولياء وعباقرة وعلماء في كل سبيل من سبل السماوات والأرض كما ولا يضر حتى الذين يؤمنون  إيمان العجائز  بفطرتهم السليمة وقلوبهم الذكية الطيبة . أما أولئك الذين لا يؤمنون بالله سبحانه ، فقد قال هو فيهم جلَّ في كبريائه :

       { والذين يحاجون في الله من بعدما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب  ولهم عذاب شديد . سورة الشورى آية  16 }

       ورجوعاً إلى آية سورة الحديد { هو الأول والآخر .. }  ، أما قوله تعالى { والآخر } أي الأبدي السرمدي ، الذي لا شيء بعده ولا أحد إلا هو سبحانه ، مهيمناً على الكون وما فيه جملة وتفصيلا،  محيطاً بكل شيء جملة وتفصيلا . وأما قوله تبارك وتعالى  : { والظاهر والباطن } فهذه هي التي من يفهمها يكون الله قد أفرغ  عليه صاعاً من نوره ، ومن عمل بها يكون قد أفرغ عليه صاعاً آخر ، ومن لزمها يكون قد استجاب سبحانه دعاءَه الذي علمنا إياه : { ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا  إنك على كل شيء قدير } .

       ونحن وباللغة الممكنة سنحاول أن نساهم في استظهارها واستبطانها بقدر ما يؤتينا الله تعالى من نوره { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور }  عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه  المصير.  ولقد تكلمنا وقد نتكلم غالباً  بصيغة الجمع ، فقط لكون الإنسان  له عدة أنفس وليس هو نفساً واحدة ، ولذلك تفصيل من أراده فليطلبه من مظانه .

       وباللغة الممكنة سأعرض موضوعاً أصبح معروفاً ومألوفاً تقريباً عن الذرَّة والتراكيب الذرية التي في الكون ، وسأعتبر عرضي لهذا الموضوع مداخلة نسبية تقريبية عن الظاهر والباطن المذكورين في الآية العظيمة الكريمة .

       علمياً أصبح من الثوابت التي لا مجال فيها للشك ، أن جميع ما يقع  تحت الحس أو البصر ، أو أيَّة إمكانية من إمكانيات الرصد العلمي ، حتى الرصد العادي هو ذرِّيٌّ ، أو هو بشكل ٍ أو بآخر تركيب ذري ،  من أدق ما في الكون إلى أعظم ما فيه من أجرام في الأرض أو في السماء

       ولكي لا نقع في مشكلة وحدة الكون ، إنطلاقاً من الآية ، يجب أن نفصل فصلاً مسبقاً في أذهاننا بين المزج بين الله  وخلقه فيما يسمى وحدة الكون ، وبين وحدانيته واستقلاله عن مخلوقاته استقلالاً  أحَدِياً لا يشاركه فيه شيء ولا يشاركه فيه خلق . فمن يقول بوحدة الكون ، هو جاهل حتى في معاني الظاهر ، كبرياء الله وعزته وعظمته التي  لا تحاول ولا تطاول ،  ناهيك بجهله عن الفارق الذي يستحيل قياسه بين الله الذي لا إلـه إلا هو وبين خلقه .

       فبين الآية الكريمة  وبين المفهوم الذرّي علاقة تبدأ من جزيئات الذرَّة في بواطنها ، ما عرف منها وما يمكن أن يعرف بعد ، إلى أعظم الأجرام في الكون بما فيه السماوات والأرض ، سواء بلغها أو لم يبلغها الرصد البشري ، وسواء بلغها  بالقوة أو بالفعل ، فيجب أن نوقن  أنها محكومة بهذه الآية العظيمة : { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم . } وبالآيتين التاليتين حيث تعتبران من روافدها ، وهما قوله عز وجل { ذلكم الله ربكم لا إلـه إلا هو خالق كل شيء  فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل . لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير . سورة الأنعام الآية 102 ـ 103 } وقوله سبحانه : { ألا إنه بكل شيء محيط . سورة فصلت آية 54 }

       الشاهد في الآية  الأولى قوله تعالى : لا إلـه إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل }  وهذا يعني استقلاله تعالى في خلق  الأشياء وكذلك استقلاله بكفايتها وتدبيرها . والشاهد في الآية الثانية قوله تعالى : { إنه بكل شيء محيط }  والإحاطة ، تعني تفاصيل الباطن والظاهر ، لأن كل جزيء من الشيء هو شيء كذلك ، وهكذا تكون إحاطته بالأشياء إحاظة المراقب الفاعل  في بواطن الأجزاء وظواهرها وفي كلياتها ،  لا يفوته منها من مثقال ذرة  ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . قوله تبارك وتعالى : { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن  ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم  شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء  ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . سورة يونس  آية 61 } .

       ومما يساعد كذلك في تفسير الآية  التي نحن بصددها التي هي : { هو الأول والآخر .. }  الآية التي بعدها مباشرة ، وفيها قوله تعالى :{ وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير . سورة الحديد  آية 4 } .

       هذه المعاني التي واكبناها حول آية سورة الحديد ، تؤكد قوة حضور الله وإحاطته  وإشرافه على الكون والإنسان  والجن والملائكة  وجميع ماخلق سبحانه ، حضوراً وإحاطة وإشرافاً ظاهراً وباطناً يتناسب مع عظمته وجبروته وكبريائه من جهة ، ومن جهة ثانية مع درجات الشرف في أصل خلقته للناس  وبقية الخلق ، ثم كذلك في تحولاتهم .

       ولفهم ذلك بشكل ٍ أوضح  نذكر قوله تعالى : { إن تتوبا إلى الله  فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإنَّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير . سورة التحريم آية 4 } .

       وهو قول موجه حسب السياق لامرأتين من أزواج النبي (ص) هذا حسب الظاهر والتفسير المتداول ، وهو ممكن وصحيح ، إلا أنه حسب الباطن  والحقيقة فهو موجه للثقلين : الإنس والجن ، ومفتاح التأويل فيه ، قوله تعالى : { قلوبكما }  وهي بصيغة الجمع ، والقلوب تكون لأكثر من اثنين أو اثنتين ،  هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، فإن الخطاب يتناسب أكثر فأكثر مع هذين  المجموعين من الخلق ، ربطاً بقدرة الله وهيمنته سبحانه . وهكذا فإن هذا التدريج في قوله تعالى : { هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير }  هو حجة على ما قلناه عن التناسب في قوة حضوره سبحانه وإحاطته وإشرافه على خلقه . بسبب جلاله وكبريائه ، ولولا ذلك لكان تولى كذلك هو سبحانه الأمور التي يوليها لجبريل ثم حسب الأهمية لصالح المؤمنين والملائكة على درجاتهم . فإنه على كل شيء قدير ، وهو سبحانه ليس بحاجة لأحد من خلقه ، وفي جميع أصنافهم ومستوياتهم .

       حتى إن هناك أمور وأشياء يربأ بأن يعهد بها حتى لهؤلاء المكرمين من خلقه : جبريل وصالح المؤمنين والملائكة ، فهو يوظِّف لها أصنافاً من الشياطين تحت سلطة القهر والقوانين التي  تمسك بنواصيهم ، وتحت الرقابة الشديدة وجهوزيـة العقوبات لمن يتلكأ منهم أو يزيغ عن أمر الله جلت قدرته . نستفيد هذه المعاني وأكثر منها من قوله تعالى في سياق  عرضه لملك سليمان وما آتاه سبحانه من عجائب التسخير في شتى الميادين :

       { ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين . ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك وكنا لهم حافظين . سورة الأنبياء آية 81 ـ 82 } .

      فعبارة { يعملون عملاً دون ذلك } فيها إشارة إلى أنه سبحانه يعهد إلى الشياطين قاهراً ، مطاعاً ، حافظاً لهم وحافظاً منهم ، بأمور وأعمال وأشياء  ينزه عنها كرام خلقه .

       أما قول رسول الله (ص) : " بالله عرفت الله " .  فهو كذلك أول  وأعظم مفاتيح المعرفة . وإنما للتوصل إليه ، ينبغي في البداية الإذعان مختاراً ، بعد تأمل وتفكر ، هما أبرز شيم الإنسان ، وهما اللتان تميزانه على أنه إنسان عاقل ، وإذا أهمل الإنسان هاتين الشيمتين ، كان إنساناً غير عاقل .

       فالإيمان بالله تعالى ، هو الإذعان لوجوده اعتماداً على آثار عظمته ، وهو إيمان غيبي بالنسبة لقدسية ذاته واحتجابه عن الأبصار ، ثم هو التصديق  بما يصدر عنه سبحانه  من إرسال رسل وإنزال تعاليم . قال تبارك وتعالى :

       { ومن يؤمن بالله يهد قلبه . سورة التغابن آية 11 } .

التفكر والتأمل من مفاتيح المعرفة :

===================

       قال سبحانه عن التفكر والتأمل مشيراً إلى كونهما من المفاتيح الأساسية للإيمان والمعارف ، وكذلك إلى كونهما الميزتين الأصليتين  لأولي الألباب ، أي الناس العقلاء :

       { إنَّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار . ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار . ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفَّنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد . سورة آل عمران  الآيات 190 ـ 194 } .

      في الحقيقة ، إن في هذه الآيات الأربع ، للمتفكر والمتأمل ، ثروة معارف . فأولاً قرر سبحانه أن آثار عظمته وعجائب خلقه التي يسميها آيات ، لا يفهمها إلا العقلاء ، أي أولوا الألباب . وهؤلاء إنما كانوا  عقلاء بذكرهم الله عز وجل  سواء بقلوبهم أو ألسنتهم  . وما داموا  يذكرون الله ، فإن الله سيذكرهم بأحسن من ذكرهم ، بأن يفتح لهم بالمفاتيح التي يسرها لهم أبواب السماوات  والأرض ، فيرون ببصائرهم من خلال التأمل والتفكر  والاستنتاج ، كما بأم العين : حقائق فيها القيامة  والحساب ، والثواب والعقاب ، والجنة والنار . كما ويسمعون نداء  المنادي من أعماق قلوبهم وكذلك من أعماق الكون : أن آمنوا بربكم ، فيؤمنون ،  ويجأرون إلى الله سبحانه  بالدعاء ، رهبة وخشية من الحقائق التي يدركونها  وأكثرها حقائق غيبية ، وإنما  لها قوة الحضور ، وقوة المعاينة ، وكثيـراً  ما  تكـون  المـعاينـة  بالعقـل  أقـوى  وأثبـت  من  المعاينـة  بالعين (*) ، وهذا أمر  قد ثبت علمياً وبالتجربة  بالنسبة لما يسمى خداع البصر ، أو عمى الألوان ، أو سرعـة  أو  بطء  الحـركـة أمام العين مما يؤثر على نسبية  ضبط الحقيقة بالنسبة للمرئيات . أما الحجج والبراهين العقلية التي  يتوصل إليها بالتفكر والتأمل ، لا سيما في مواجهة هذا الكون الهائل في اتساعه وعمقه وأبعاده ، وجماله  وإتقانه ، ودقة ضبطه ودورانه ، ثم قصور الإنسان . رغم كل تقدمه ، عن إدراك اليسير اليسير  من ظواهره فضلاً عن غيوبه  وبواطنه ، فتكون حاسمة تطمئن إليها النفس أكثر من اطمئنانها للعين المجردة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)  انظر ( الصورة الإبصارية في العقل والدماغ ) مجلة العلوم ـ المجلد 10 العدد 5  مايو / أيار 1994 .

       أما قوله تبارك وتعالى على لسان العقلاء ، أولي الألباب : {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا..} سمع هذا النداء رسول الله (ص) من جبرائيل قرآناً ، ثم أسمعه للخلق آياتٍ وحججاً هي على الأعناق . فأما أولوا الألباب فيقولون آمنا ، وأما من لم يؤمن فهو قد تخلى عن عقله ، ورهن نفسه بالطواغيت ، حتى لتغدو النفس كذلك طاغوتاً . كلما ابتعدت عن العقل الحقيقي ثم عن الله تبارك وتعالى. وذلك في قوله عز وجل،  وهو من مفاتيح  المعارف الكبرى :

       { لا  إكراه في الدين  قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم  . الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا  أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار  هم فيها خالدون . سورة البقرة آية 256 ـ 257 }.

       لا حجة للإنسان على ربه سبحانه وتعالى ، فقد خلقه مخيَّراً في قبول ربه وحبه  بعد استعراض نعمه ، وبعد أن هداه وناداه بكل صوت ونغم ، من حنجرة الكنار أو البلبل إلى صوت الرعد وأصوات القذائف الصاروخية ، إلى أصوات  عالية  فوق  مستوى  سمعه  إذا  سمعها تفجَّر دماغه ، مثل صوت  دوران الأرض أو اندفاعها واندفاع أقرانها في الفضاء ، ولكن الإنسان علم هذا الصوت  بما علَّمه الله ، فكذلك كان عليه حجة مع ما يسمع من الأصوات . وناداه بكل منطق ، نادى سمعه وكذلك نادى بصره  وجميع أحاسيسه ، وفوق كل ذلك نادى عقله ، فعلام الصمم وعلام العمى وعلام الموت ، والسمع متاح والبصر متاح والحياة متاحة .

       { لا إكراه في الدين .. } .

       هذا القرار " اللاإكراه " هو على الإنسان حجة بالغة ، فهو في نفس الوقت تكريم له حيث لا يقاد بالغريزة قود من دونه من القردة وأنواع المسوخ وبقية أنواع الحيوان . كرَّمه الله عزَّت عزته ، وسخر له ما في السماوات  والأرض جميعاً منه . قوله تبارك وتعالى : { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر  ورزقناهم من الطيبات  وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا . سورة الإسراء آية 70 } .

       وقوله عز وجل : { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون . سورة الجاثية آية 13 } .

       ولنلاحظ قوله تعالى في آخر هذه الآية { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }  وفي القرآن الكريم تتكرر كلمة { يتفكرون } بلفظها أحد عشر مرة سوى مشتقاتها ، ومثلها تقريباً { أفلا تعقلون أو يعقلون } ومشتقاتها ، وهذا غير العبارات والألفاظ التي تدعو إلى التدبر  والنظر والتأمل ، وهي جميعاً متقاربة المعاني . وعلى هذا الأساس  نعود لنتدبر قوله عز وجل :

       { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين  كفروا أولياؤهم  الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } . 

       ولفهم هذه الآية كفاية نستأنس بقوله تعالى :  ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها }  فنجد أن النور والظلام أرادهما الله تعالى رمزين للخير والشر  والصلاح والطلاح  والحق والباطل والفجور والتقوى وغير ذلك من الأضداد التي خلق الله عليها هذا العالم ، ذلك كله إضافة  إلى الحقيقة التي تعني عينية النور  وعينية الظلام .  وقد خلق الله مصاديق  لهذين الضدين . سواء على سبيل الأصالة كالليل والنهار أو على سبيل الإمكان والتحول كما هي الحال في الإنسان  .

       وعلى هذا الأساس ، نجد أن هذه المتناقضات جميعها ، تتعاور  الإنسان في حياته ، فهو يتعرض دائماً لمواجهات نورانية أحياناً وظلمانية أحياناً أخرى ، تتراوح بين الرمز والحقيقة . هنا يتضح التركيب الرائع للآية الكريمة : { الله ولي الذين آمنو يخرجهم من الظلمات إلى النور } فكلما أخرجهم من ظلام أبدلهم  مكانه نوراً ، يضاف إلى نور متاح ، وهكذا تتناقص مساحات الظلام بالنسبة لتدرج المؤمن في إيمانه ، ثم في تقربه ، ثم في يقينه ، إلى حين وصوله . حتى تنعدم ظلمات النفس  فتصبح النفس نورانية مشرقة ، ويستمر الأمر  كذلك إلى يوم القيامة ، حيث يبدو أنه يسود على الناس ظلام دامس ، فمن كان من المؤمنين  لم يستكمل نوره في الدنيا ، فيدعو كما ذكر الله تعالى : {ربنا أتمم لنا نورنا  واغفر لنا إنك  على كل شيء قدير . سورة التحريم  آية 8 } . وهنا يشرق أكثر فأكثر معنى الآية  الكريمة قوله جلَّ شأنه : { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءَكم فالتمسوا نوراً  فضرب بينهم بسور  له باب باطنه فيه الرحمة  وظاهره من قبله العذاب . ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأمانيُّ حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور . سورة الحديد آية 13 و 14 } .

       كما ويتضح الشطر الآخر من الآية والذي هو قوله تعالى :

{ والذين كفروا أولياؤهم  الطاغوت  يخرجونهم من النور إلى الظلمات  أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } .

       فكما أقبل المؤمنون على مساحات النور ، وتلافوا مساحات الظلام  ، فأعانهم الله على ذلك وزادهم نوراً وهدى . كذلك ، ولكن بعكسهم أقبل الطاغوتيون على مساحات الظلام وتنكروا  لنور الله ، لآياته  وطاعته وتعاليمه ، فأصبح  مثلهم  كما  قال سبحانه  فيهم :

{ ومثل الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه  الظمآن ماءً  حتى إذا جاءَه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب . أو كظلمات في بحر لجيٍّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً  فما له من نور . سورة النور آية 39 و 40 } .

      وفي نفس منهجية الأمر بالتفكر  ، ينبغي التوقف أمام قوله تعالى : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور .. }  مقابل قوله تعالى : {  الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات .. } . فالله عز وجل  ليس هو الذي يضلُّ ويربك أحداً من خلقه إذا اختار هذا المخلوق ربَّه  وهدايته وطاعته ، إن الذي يضيِّع الإنسان وقد يمزقه ويحرقه مؤبداً في الآخرة ، وقد يحصل له ذلك  في الدنيا والآخرة ، هو طاغوته ، أو طواغيته ، وقد يكون طاغوته نفسه الأمَّارة ، فضلا عن كثرة  الطواغيت في ترادف المجتمعات البشرية ، متمثلة في مراكز القوى التي غالباً ما يكون بيدها السلطان الدنيوي : الحكومات ، الأثرياء ، المتنفذين ، اللصوص القانونيين ، أعني المشرعين لأنفسهم ولأتباعهم قوانين  تبيح لهم سرقة الناس وإفقارهم ومنع حقوقهم والإثراء غير المشروع ، وبناء القصور على القبور ، ولا سيما قبور الضعفاء  الذين لا يتقنون فن السقوط مع الساقطين ، من المافيات المحلية أو العالمية . طلاب  الدنيا هؤلاء يخرجهم طواغيتهم من النور المتاح إلى ظلمات الجهل والكفر والطمع والبهيمية ، ولو كانوا يحملون أعلى الشهادات التي تمنحها  الجامعات الصهيونية أو المبطنة بالصهيونية . وهؤلاء يتخلى عنهم  الله سبحانه ويمقتهم . وبتخليه عنهم ومقته لهم يصبحون بلا هاد ٍ ولا معين ، ولا مرشد ولا نصير . ولأنه ممنوع عليهم حتى أن يضلُّوا بدون إذنه سبحانه ، وممنوع عليهم  أن يتخذوا قراراً قبل قراره ، أو حكما قبل حكمه ، لذلك تسبقهم  مشيئته ، فيضلهم ويتركهم في ظلماتهم يتزاحمون . ذلك معنى قوله تعالى : { ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام . سورة الزمر آية 37 } . وهي  معادلة إلـهية  منطقية على الفريقين : طلبة النور  الذين ينصرهم الله ، وطلبة الظلام الذين يخذلهم الله ، سبحانه وتعالى عما يشركون .

الصدق والتصديق من مفاتيح المعرفة :

===================== 

       جاء في لسان العرب  لإبن منظور : صَدَقَ : الصِّدق  نقيض الكذب ، صدق يصدق صَدْقاً وصِدْقاً وتَصْداقاً  : وصَدَّقه : قبل  قوله . وصَدَقهُ الحديث : أنبأه بالصدق . وفي التنزيل : { وأمه صِدِّيقة } أي مبالغة في الصدق والتصديق .

       وفي معاني الإيمان  ، أنه التصديق بالله وبكلام الله والصدق في  الإخلاص  له سبحانه ، أي عدم خيانته ، بإهمال قول من أقواله ، أو بالإصرار على ذنب أو على معصية . هذا بشكل عام ، ولكن لاستفادة أهم مفاتيح المعرفة في هذا الباب ، ينبغي التوقف عند الآيات القرآنية ، التي تستقطب معاني وموضوعات لفظتي الصدق والتصديق . قال تبارك وتعالى في جملة استعراضه لعناصر الإيمان وشروطه لقبول صلاة المصلين : { ... والذين يصدِّقون بيوم الدين ... أولئك في جنَّات مكرمون . سورة المعارج الآيتان 26 و 35 } . والتصديق  بيوم الدين أو يوم الفصل أو يوم القيامة والحساب ، شرط أساسي قرآني  يتوقف عليه تصنيف الناس بين مؤمن وكافر . فمن يشك في قيام الساعة وما يرافقها من حساب ، وثواب وعقاب ، وجنة ونار ، يخرج من التصديق إلى الكذب ، حتى ولو كان  يؤمن بالله تبارك وتعالى ، فشأنه شأن المشركين ، الذين يرفضون أخبار الله  بواسطة كتبه ورسله . وقد ضرب سبحانه مثلاً على هذا الصنف من ( المؤمنين ) في سورة الكهف : رجلاً آتاه الله حرث الدنيا : حدائق ومالاً وأولاداً وجاهاً بين الناس وأنصارا . أفصح عن معتقده ، وهو يحاور صاحباً له ، كما جاء في التنزيل العزيز : { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا . وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدنَّ خيراً منها منقلبا . قال له صاحبه وهو يحاوره  أكفرت بالذي خلقك من تراب  ثم من نطفة  ثم سواك رجلا . لكنَّا هو الله ربي ولا أشرك به أحدا . سورة الكهف آية 35 ـ 38 } .

       فالرجل في حالة شك وتردد ، فيما يتعلق بعقيدته ، غير مستقر في طاعته لربه ولا مصدق ٍ بكلام الله عن قيام الساعة ، وفناء الأرض  ومن عليها ، وهو أعلن بصريح العبارة  عن شكه بالقيامة بقوله  { وما أظن الساعة قائمة } علماً أن الإجماع على القيامة في الكتب المنزلة أمر شائع  ومعروف عند جميع الناس ، وهو في القرآن الكريم  يتكرر ذكره عشرات المرات . وهذا سياق من السياقات التي يذكر فيها دمار الأرض  ثم مصير الإنسان بعدها إما إلى عذاب محتوم أو إلى نعيم محتوم ، قوله تعالى في آخر سورة الفجر :

       { كلا إذا دكَّت الأرض دكاً دكا . وجاء ربك والملك صفاً صفا . وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى . يقول ياليتني قدمت لحياتي . فيومئذ لا يعذب عذابه أحد . ولا يوثق وثاقه  أحد . يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضيَّة فادخلي في عبادي وادخلي جنتي . } .

       والرجل الذي شكك بقيام الساعة ، خسر بتكذيبه الآيات ، وتكذيبه منطق التأمل  في النفس والفطرة والكون ، ومنطق التأمل في أقوال الله ، ومن أصدق من الله قيلا وأصدق حديثا ، كفر  وطمع فوق ضلالته ، بمزيد من العطاء والإنعام ، إذا قامت الساعة وردَّ إلى ربه الذي يؤمن به على مزاجه وبحسب هواه ، قائلاً : { ولئن رددت إلى ربي لأجدنَّ خيراً منها منقلبا } . هذا إنسان حَكَمَ الله عليه بالكفر وكذلك بالشرك على لسان صاحبه الذي رضي الله حكمه  ، قال  { أكفرت بالذي خلقك من تراب ... لكنَّا هو الله ربي ولا أشرك به أحدا } اما الكفر ، فهو  بردِّ قول الله عز وجل أو بتجاهله أو بعدم تصديقه . وواحد من هذه الأمور الثلاثة يكفي لهدم إيمان المرء وتخليده  في العذاب ، وأما الشرك الذي يوصل إلى نفس النتيجة ، فهو إقحام رأيه الشخصي في الحكم على الأمور ، وكذلك الاستجابة لهوى نفسه . أما الخلاصة القرآنية الرائعة لهذه الواقعة ـ المثل ، فهي أن الرجل فوجىء يوماً بانهيار دنياه وآماله وأحلامه دفعة واحدة ، وذلك بخسران مواسمه وخسران ماله ، مع إشارات إلى أن هذه النكبة التي عوقب بها تستقطب دنياه وآخرته . ويعقب سبحانه على نكبة الرجل ، بهذه الكلمات التي هي خلاصة الخلاصة ، وعاقبة التجبر والوثوق بغير الله من مراكز القوى الدنيوية ، قوله تبارك وتعالى :

   { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا. هنالك الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخير عقبا . سورة الكهف آية 43 و 44 } .

       وصحيح أن التصديق باليوم الآخر ، أو قيام الساعة ، هو شرط أساسي  لقبول الإيمان عند الله سبحانه . إلا أن هناك مقدمات واجبة من أنواع الصدق والتصديق ، تستقطب حياة الإنسان وعواطفه وأفكاره وأعماله ، فضلاً عن اعتقاده ومنهجيته المترتبة على هذا الاعتقاد . من ذلك ، التصديق بأسماء الله الحسنى ، وبفاعلياتها ، لا سيما ما ذكر منها في القرآن الكريم تصريحا ، أو ما خبِّىء في بعض  آياته وفي أحرفه النورانية ، لغة عالم الملكوت . على أن الله سبحانه يكشف الغطاء عن العبارة وعن الإشارة ، ويبدي ما يشاء من الحقائق ، لمن يشاء ويختار من عباده الأكثر صدقاً وتصديقا . لكل ٍ بنسبة صفائه وإخلاصه ، وجهاده،والله أكرم ، والله أعلم  وأحكم ، وهو أرحم الراحمين . قال تبارك وتعالى :

      { فأما  من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى .. } .

      نذكِّر بهذه الآية كمثال ٍ على الواجب الإلزامي بمقدمات الصدق والتصديق ، بعد أن تعرضنا لها كفاية بفضل من الله آنفاً .

       ولمدى أهمية الصدق في المواقف ، وفي المقدمات والحيثيات  والنتائج فإن الله عز وجل ، تعليماً لرسوله (ص) ولكل مؤمن ومؤمنة ، ورحمة منه سبحانه ، قد أنزل إلينا في جملة روائع ما أنزل . هذا الدعاء : { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا . سورة الاسراء آية 80 }  في ظل إخطاره للجميع : { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم . سورة الفرقان آية 77 } . وهذا من مفاتيح المعرفة .

       ومن مفاتيحها أيضاً في مجالات العرفان عامة وضمنها الصدق والتصديق ، وبصيغة الدعاء الذي جعله كذلك أسلوباً من أروع أساليب التعليم والتذكير ، قوله عز شأنه ، حديثاً عما دعا به عبده ورسوله إبراهيم (ع) :

رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين . واجعل لي لسان صدق في الآخرين . واجعلني من ورثة جنة النعيم . واغفر لأبيإنه كان من الضالين . ولا تخزني يوم يبعثون . يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم . سورة الشعراء الآيات 83 ـ 89  } .

       فمن وفقه الله سبحانه لمثل هذه المفاتيح من مفاتيح السماوات والأرض ، فيكون فضل الله عليه عظيما . أولاً لأنها لغة القرآن ، يعني كلام الله بعزته وعظمته ، ومعلوم أن الفارق بين كلام الله جل شأنه وبين كلام  المخلوقين ، هو كالفارق بينه سبحانه وبين المخلوقين ، أي فارق عظيم بغير قياس . وثانياً ، ولأن الكلام كلام الله فهو يختزن إضافة إلى المعاني الغزيرة المباركة ، أسراراً من الطاقات الفاعلة المحركة في ذات الداعي وفيما حوله ، نفعاً ودفعاً ، وشفاء ، وغير ذلك من المصالح التي هي نعم الله تعالى ، التي لا تعد ولا تحصى  { وإن تعدوا نعمة الله  لا تحصوها } . وصفات هذا الكلام القرآني يستحيل أن تتوفر في كلام أي مخلوق ، مهما كانت درجة هذا المخلوق في نفسه وعند ربه . ذلك لأن المخلوق ، مهما عظم ومهما علم ، فإنه يبقى فقيراً إلى رحمة ربِّه ، محدوداً في ذاته ، محدوداً في صفاته وطاقاته .

       فقوله { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي في الناس  وفي الجن والملائكة ، ابتداء من تفضلك عليَّ بالإيجاد أو بالإيجاب وإلى قيام الساعة وبعد قيام الساعة في الخالدين .

       وقد ذكر سبحانه في كتابه المجيد ، أمثالاً من تفضله على أهل طاعته ، واستجابته لهم . فقد عقب بعد توصيف المخلصين من أوليائه بقوله عزَّ من قائل : { ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا . سورة مريم آية 50 } وقوله تبارك وتعالى : { وبشر  الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم . سورة يونس آية 2 } وقوله عز شأنه : { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون . سورة البقرة آية 172 } .

       فقوله تعالى : إن لهم قدم صدق .. وقوله أولئك الذين صدقوا يؤديان إلى نفس المعنى والنتيجة ، فقد ورد كذلك { في مقعد صدق عند مليك مقتدر }  وكل ذلك كناية عن قيمة الصدق في المواقف والإخلاص في الولاء والحب له سبحانه ، والثبات على الجهادين الأكبر والأصغر : مجاهدة النفس ومجاهدة أعداء الله . وبما أنه سبحانه له الأسماء الحسنى وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ، فجزاؤه يتناسب مع كرمه ، وقدرته ورحمته ، لذلك هو يثبتهم ويزيدهم تثبيتاً ونصراً في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا فبسبوغ النعم وإحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة ، وأما في الأخرة فالمستفاد من قوله عز وجل : { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون . سورة السجدة آية 17 } .

      فإذا كانت مفاتيح العرفان أو المعرفة ، تؤدي إلى مضامين هذه الآية الكريمة { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين .. }  فكم هو جدير بالإنسان أن يحكِّم عقله ويفكر ويتأمل ليجد نفسه وبالضرورة ، أحرص ما يكون على أن يكون من أهل العرفان ، أي  من أولياء الله الموحدين ، الناجين من كلا الشِرْكَيْن : الظاهر والخفي ، المتمسكين بكتاب الله وحبله المتين ، العاملين بآياته ، الواعظين أنفسهم وهم يشهدون هيجان طوفان الحضارة ، والأمواج المتلاطمة بالصراع على المكاسب والأموال والعقارات ، والتزاحم  والتحاسد والتنابز حتى بين أدعياء الدين فضلاً عن الغافلين والمستذئبين .. وكتاب الله ينذرهم : { ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين . ولا تجعلوا مع الله إلـهاً آخر إني لكم منه نذير مبين . سورة الذاريات آية 50 ـ 51 }  أما وعده سبحانه الذي اتخذه أهل العرفان نهجاً وديدناً فهو قوله : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين . سورة القصص آية 83 } .

       إلا أنه دون الوصول إلى رضى الله ورضوانه ، وقبوله وحبه ، مخاطر ومحاذير ، وهو سبحانه قد نوَّه بهذا في سورة يدل اسمها على خطورة مضامينها ، وعلى الشباك والفخاخ التي تنصبها للإنسان نفسه قبل  كل شيء ، ثم شياطين الجن  ثم شياطين الإنس  ، والنفس هي الأدهى  في الثلاثة ، وليس شياطين الإنس ، فهم غالباً تحت السمع  والبصر وعامة الأحاسيس . وليس  شياطين الجن ، ولو كان خفاؤهم يصعِّب الصراع معهم  كما يخيَّل لغير القرآنيين ، ولكن من يعلم ولوالقليل عن قوة حضور الله عز وجل  مع الإنسان وقوة حضور ملائكته بإذنه ، ومدى رعب الشياطين  من مجرد ذكر الله أو ذكر أي اسم من اسمائه الحسنى ، أو مجرد قراءة شيء من القرآن ، يطمئن بالاً على نفسه ومتعلقاته ، يدرك الحقيقة التي أثبتها لنا الله سبحانه ، وهي قوله  تعالى : { إن كيد الشيطان كان ضعيفا . سورة النساء آية 76 } . وقد تكلمنا في فصل سابق عن الحصانة التي يحصِّن الله بها عبده ووليَّه ما دام ذاكراً شاكراً لربه متمسكاً بكتابه متدبراً آياته ، مقلعاً عن الذنوب والمعاصي ، تائباً منيباً والله يحب التوابين .  أما إذا كان من مصاديق الآيتين  المخيفتين ، قوله عزَّ شأنه : { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه  فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث  ذلك مثل القوم الذين كذبوا  بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون . سورة الأعراف آية 175 ـ 176 } . فلا تنفعه  شفاعة ولا فدية ، وكفى بالآيتين المخيفتين به تعريفا .

        أما  السورة التي ذكرنا أنها تتضمن خطراً على المسافر إلى الله ومحاذير ، إذا هو سقط أو رسب في الامتحانات الدنيوية ، فتلك هي سورة العنكبوت .

       وقبل أن أتناول الآية أو الآيات ذات الصلة بالموضوع ، أريد بإذنه تعالى ، من جهة أن أجلوَ اعتقاداً عند العامة ، عن فوائد العنكبوت واستلطافهم لها . وهو بخلاف حقيقتها ، إذ أن حقيقتها تستدعي الذم ومن أصدق من الله قيلا ومن أصدق من الله حديثا ، حيث ذمَّها ممثلاً بها أهل الشرك ، أسوأ الشرك ، الذين هم في لعنة الله وسخط الله  وعاقبتهم عذاب الجحيم مخلدين فيه ، وذلك قوله جلت قدرته : { مثل الذين اتخذوا من دون الله  أولياء  كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . سورة العنكبوت آية 41 } ولو كانوا يعلمون أبسط العلم عن العنكبوت وهو أنها تصطاد في شباكها  في جملة ما تصطاد زوجها وأولادها ، وأكثر ضحاياها من الحشرات المفيدة والجميلة مثل النحل وأنواع الفراش . ومن جهة ثانية أن أردَّ سبب اعتقادهم البريء بلطفها وربما بقدسيتها ، وهو أنها ـ كما ثبت في الأخبار ـ  نسجت على باب الغار الذي اختبأ فيه رسول الله  وصاحبه أبو بكر الصديق ، نسيجاً سريعاً جعل المطاردين لرسول الله (ص)  يحسمون أمرهم أنه لو كان دخل الغار أحد لكان هتك هذا النسيج العنكبوتي  فرجعوا خائبين . وأنجى الله رسوله وصاحبه .

       والمفارقة هنا ، هي أنهم جعلوا الفضل للعنكبوت ، أو أنهم جعلوا لها من الفضل شيئاً ، والحق أنه ليس لها من الفضل شيء، إلا إذا كان للشياطين الذين سخرهم الله لسليمان  يصنعون له ويبنون ويغوصون ويعملون عملاً دون ذلك ، مقهورين لا يملكون خياراً، ويقول فيهم : { ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير . سورة  سبأ آية 12 } .

      أما ما له صلة بالمخاطر والمحاذير التي تعترض المسافرين من أهل العرفان عبر الدرجات والمعارج ، إلى ربهم العظيم الحليم الكريم ، فهو مطلع السورة ، قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم  آلـم . أحسب الناس  أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنَّا الذين من قبلهم فليعلمنَّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين . سورة العنكبوت آية 1 ـ 3 } .

      قبل أن أتناول بداية الآيات ، أُلفت الانتباه إلى أن في قوله تعالى : { فليعلمنَّ .. } ثلاث قراءات : الأولى هي القراءة المتداولة ، أي لكي يعلم الله أي يحصل عنده العلم وسواء كان لها تخريج معنوي أو لا ، من حيث أنه سبحانه يعلم ما بين أيديهم ، وما خلفهم ، وما قبلهم وما بعدهم وما بين ذلك كله ، فإن القراءة الثانية والثالثة أولى من الأولى ، وهما :  فلَيُعَلِّمنَّ الله  ، بوجهيها : تعليمهم العلم  ووضع علامات عليهم تعرفهم بها ملائكة الله سبحانه .  والثالثة وليُعْلِمنَّ  كذلك بوجهيها : الإعلام أي إعطاء العلم والإعلام  أي جعل المرء مُعْلَماً أي ذا علامة أو سمة . وهكذا  عظمة القرآن  وعمقه وغناه .

       أما قوله تعالى : { وليعلمنَّ الكاذبين } ففيها قراءة واحدة إضافة إلى القراءة المتداولة هي : فلَيُعْلِمنَّ : من وضع العلامة أو السمة ، وهذه تكون لتمييز الأشقياء والمجرمين بأنواعهم وأصنافهم من حيث الكفر أو الشرك أو النفاق أو الكذب . قال تعالى:  { يعرف  المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام . سورة الرحمـن آية 41 } .

       وقوله تعالى يفتنون ، هنا معناها يمتحنون بأنواع الامتحانات فيكون معنى الآية الكريمة ، أحسب الناس  ، أي أظنَّ الناس أن يتركوا على دعواهم في الإيمان ، أو على ادعائهم الإيمان ، دون أن نجري لهم امتحاناً بعد امتحان ، ويفتنون هنا من فتن الدرهم ، أي فركه بيده أو فتن الشيء في النار ليعلم معدنه . وهي من ألطف الكلام تعبيراً عن أنواع  البلاءات التي يعرِّض الله لها المؤمنين في تدرجهم إلى حبه ورضوانه . والحقيقة أن الصدق والتصديق في المسار ، هما  المعيار الأساسي  لإمكان الاستمرار بدون هفوات وسقطات كبيرة ، من  قبل المؤمن  المبتلى . على أن الله  تعالى يعين على الصبر بلطفه وبتسديده ، ولا  يترك عبده فريسة للظن أو الشك أو الارتباك ، إذا كان حزم أمره  وعزم على الهجرة إلى ربه الكريم  من بيت نفسه المظلم ، إلى  عالم آخر  سرعان  ما يتبين له اختلافه الشديد عن العالم الذي كان فيه  ، على أن  العالمين  هذين لا يختلفان مكاناً ولا تركيباً من حيث ناسهم والأرض والبيوت والشوارع ، وإنما تختلف الرؤية والاحساس  والمشاعر .  ففي العالم  العادي السابق  على عزيمة السفر ،  ظلمة في النفس وضيق ، وشعور  بتفاهة كل ما يحيط  بالإنسان  من عاديات الناس، ومجالسهم  وطموحاتهم ، وطرق تفكيرهم .. إلى العالم الآخر يسافر أو يهاجر ، فيختلف كل شيء ، حتى الصحبة ونوعية الصحبة ، ييسر الله لمحبه وقاصده ، صِحاباً آخرين ، خلَّصاً ، يذكرون الله ، أصفياء أنقياء ، حتى ليعجب  من وجودهم في المجتمع ، بعد إذ كان يظن الفساد والسطحية والعمى في جميع من يعاشر من الناس ،  ولا سيما  الطبقة التي تسمى مثقفة  ، وهذه  من المفارقات ، التي  إنشاء الله ، نحاول أن  نعقد لها فصلاً خاصاً بها تحت عنوان  : لماذا الخلل في الطبقة المثقفة . طبعاً حسب العرف العادي والأكاديمي للمعرفة .

       وينبغي أن نوضح أن ما نعنيه من كلمة السفر أو الهجرة ليس المقصود بهما الإنتقال من مكان إلى مكان ، فقد يسافر  الإنسان إلى ربه أو يهاجر قاصداً إياه سبحانه ، من متر ٍ مربَّع ٍ  هو واقف فيه، فيهاجر  أو يسافر  ويبقى في نفس المتر المربع الذي هو فيه.  فالمعوَّل في هذا  السفر أو الهجرة  ، على المعاني والتوجه النفسي والفكري ، والانخلاع  تدريجياً أو دفعياً ، من دوائر الجذب والمسطحات الحضارية بمفهومها  العرفي  المبني على فقاعات الاعتقاد ، وعلى برامج هجينة في مجالات التعليم الأكاديمي ، ما زالت تمضي نزولاً إلى حضيض  الكفر  ونسيان مجد الله وعزة الله وحاكمية الله  ، وهو سبحانه لها بالمرصاد ، فتكاً بالأمراض والحروب ورعونة الاستعمار  المادي والفكري ، وابتذال التبعية للقوى الغاشمة في جميع أو في معظم أنحاء العالم ، إلا من رحم ربك . وكل هذا يندرج  على صعيد  المجاميع الإنسانية والأفراد ، تحت رصد آيات سورة العنكبوت  قوله تعالى : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } . وهنا ، وعلى هذا الأساس ، وعملاً بالغنى القرآني ، يفهم معنى يفتنون أنه الابتلاء بالفتن ، مثل الحروب والويلات الاقتصادية والغلاء وأنواع الظلم والقهر من قبل طغاة العالم .

       وعوداً إلى معنى السفر أو الهجرة ، أو حتى الرجوع إلى الله تبارك وتعالى ، نذكر بأن الله عز وجل لا يحدُّه مكان ولا زمان ، ولنتأمل بهذا الصدد في قوله عزت عظمته : { وهو الذي في السماء إلـه وفي الأرض إلـه  وهو الحكيم العليم . سورة الزخرف آية 84 }  وقوله سبحانه :  { وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير . سورة الحديد آية 4 }  وقوله عز شأنه { ما يكون من نجوى بين ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة  إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر  إلا هو معهم . سورة المجادلة آية 7 }  ولنأخذ  آية النفس المطمئنة نحاول بها أن نلقي الضوء على مفهوم السفر إلى الله أو الهجرة أو الرجوع إليه سبحانه . قوله تعالى : { ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية  فادخلي في عبادي وادخلي جنتي. سورة الفجر  آية 30 } .

       هذه الآية الكريمة  لها مفهومان  تستفاد منهما قضية المسافرين  إلى الله : المفهوم الأول  ، وعلى أساس أن تكون النفس مطمئنة أي صِدِّيقة  يعني صادقة ومصدِّقة ، صادقة اليقين ، ثابتة على عهود الله ومواثيقه ومصدقة بأنبياء الله ورسله  وملائكته وكتبه ووعده ووعيده ، كمثل قوله تبارك وتعالى : { أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه  متاع الحياة الدنيا ثم هو  يوم القيامة من المحضرين . سورة القصص آية 61 } ثم كانت مطمئنة إلى عملها وصلاحها وإخلاصها لله عز وجل ولدينه ، تائبة منيبة ، مشتاقة إلى ربها والحياة الآخرة . صابرة بالله ، واثقة به ، متوكلة عليه ... هذه النفس وبالمفهوم الأول للآية : { ياأيتها النفس المطمئنة ... } تدعى من قبل الله وهي في الحياة الدنيا تمارس نشاطها  ولو في زهرة العمر وقمة الصبا والشباب ، تدعى إلى ربها : { ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك}

فهو معك قريب رقيب وحافظ ومجيب ورحمان وراحم ، ودافع عنك ومدافع ، إرجعي إليه لا تنسي ذكره وشكره والثقة به ، حاولي أن لا تنسيه ما دمت يقظة ، وإياك أن ترجعي إليه أو تلجئي إليه وأنت مضطربة ، إعتمدي عليه واهدئي ، وهدِّئي من انفعالك وتأزمك وغضباتك لغير الله ، هو الله سبحانه أقرب إليك من حبل الوريد ، هو معكم أينما كنتم ، وعلى هذا الأساس ارجعي إليه راضية بحكمه وحكمه العدل ، وحكمه الرحمة للمسترحمين  ، وحكمه الكرم لسائليه ، وحكمه  أن يمتحنك حتى بشتى البلاءات لتنجحي وتفوزي بالدرجات العلى ، في الدنيا ، وفي ما ينتظرك في الآخرة ، ولو  وجدت في ذلك صعوبات ، فكوني  بها راضية ، ولو عانيت من أوجاع ٍ عارضة ، فكوني بها راضية ، ولو عانيت من بعض الحاجة  ، إذا قدر  عليك الرزق فكوني راضية ، لأنه هو سبحانه  معك وهو حسبك ، وأيُّ غنىً أعظم من هذا الغنى الحاضر الناظر  الجاهز للعون والغوث والإعزاز ، بوجود الله وحضور عزته ، اعتقدي بذلك ولن تشعري بجوع مع عدم الطعام ، ولن تحتاجي لمتاع أو أي ضرورة مع قلة المال ، { أليس الله بكاف عبده . سورة الزمر آية 36 } وعلى هذه الأسس  كذلك إرجعي إليه وتوجهي إلى وجهه الكريم القريب  الحبيب { مرضية }  منه ، راضياً هو عنك ، استغفريه واسأليه العفو والعافية ، تجديه راضياً عنك فعودي إليه سبحانه، إرجعي إليه ، وادخلي في عباده  في الحياة الدنيا ، عباده الصالحين ، وعباده المخلصين ، ونعم الصحاب ، إذا كانوا ممن تصاحبين وأكثري من قولك ، ومن القلب : الحمد لله رب العالمين .

       أما  المفهوم الثاني للآية الكريمة ، فهو المفهوم المتداول عرفاً  وليس عرفاناً . وهو أن مفعول هذه الآية  ومضامينها ، وخطابها ، إنما يكون بعد الموت . وهذا صحيح ، إلا أن اعتماده فقط يشكل بتراً للحقيقة ، التي فرضت في الآية ، أن تكون مستقطبة للحياتين : الدنيا والآخرة ، بفضل ٍ ورحمة ٍ وكرم ٍ  من ربنا الله رب العالمين .

       وهكذا ينبغي أن نفهم أن مواكبته  سبحانه للأنفس ، كذلك كما هي في الآخرة ، هي في الحياة الدنيا ، وهي ما بينهما ، وإنما على مستويات عزته وكبريائه ورحمته . ولكل مقام مقال . فهو في المفهوم الثاني ، وبقية المفاهيم  وبدون حصر : { رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق . يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار . سورة المؤمن آية 15 و 16 } .

       هكذا ، وبدون نفس مطمئنة ، لا يُنال رضى النفس  ولا ينال رضى الله ، بل النقيضان  اللذان  يشكلان خسارة الأبد وندامة الأبد وعذاب الأبد ، وهما نزاع النفس بدون موت ، حالة من الإختناق المستمر أو الإحتراق المستمر ـ نعوذ بالله وبه نستجير ـ ، وغضب الله أو سخطه ، وذلك يعني الجحيم . { ولكل ٍ درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون . سورة الأحقاف آية 19} وبدون صدق وتصديق ، صدق مع الله سبحانه وتصديق لمضامين قرآنه المجيد ، فلا نفس مطمئنة .. ولا راضية ولا مرضية .

       أما الصدق مع الله ، فهو  في قلب لا يزاحم عزة الله فيه مخلوق ، ولا يكون فيه لغير الله حب ، حب الآخرين ، يكون بما يفيض على جوانب القلب من حب الله . وأما التصديق بمضامين كتابه ، فيكون بتدبر آياته كما أمر وبفهمها وليس ببغاوية تلاوتها وتجويدها . التجويد ، هذا المرض المستشري ، الذي أخذ يحتل مكانة العقل والفهم والتأمل والتدبر ، وهو اختراع ما أنزل الله به من سلطان . بلى للخشوع في التلاوة  ، وبلى للترتيل ، وأما تعليم التشدق والتقعُّر بالآيات والكلمات والحروف بدون فهم ولا توقف ولو يسير أمام المعاني فهو ديدن قوم قصَّرت علومهم وهممهم عن تدبر القرآن  كما أمر الله سبحانه ، فراحوا يتنافسون بفتح مدارس لتقديم هذا البديل الضحل الذي اسمه التجويد أو التغني بألسن ببغاوات .

       { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها . سورة محمد آية 24 } .

       وصفة الصدق التي يريدها الله تعالى في عباده ، ليست من الصفات العادية عند المؤمنين ، وإنما  هي من صفات أهل اليقين . فقد لا يصْدُق المؤمن في عهد من عهوده مع ربه فيغدو من الفاسقين . قال تبارك وتعالى : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ... سورة الأحزاب آية 23 } ولم يقل سبحانه:  المؤمنون صدقوا ما عاهدوا الله ، . والحقيقة أن جميع الناس  ذووا عهود مع الله  ، ولا سيما  منهم المؤمنون . أما الناس ففي عهدهم مع الله يوم الإشهاد : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم  ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ... سورة الأعراف  آية 172 } . أما المؤمنون  فجملة عهود الله عز وجل ومواثيقه معهم ، وهي جملة الدين بما فيه الأوامر والنواهي ووجوب الطاعات  منها  مثلاً قوله عز وجل : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين . وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . سورة  يس آية 60 و 61 } وعبادة الشيطان طاعته . وقوله تعالى  حاكماً بالفسوق على من لا يصدق ما عاهد الله عليه ويقطع ما أمر الله به أن يوصل : { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه  ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الفاسقون . سورة البقرة آية 27 } .

      والله سبحانه إذ يعدد أركان الإيمان عند أهل طاعته المرضيين المقربين ، يقول : { والصادقين والصادقات . سورة الأحزاب آية 35 } .

      وعن تصديق البعث والنشور والتصديق بالجنة والنار ، يقص واقعة من وقائع الآخرة ، تأخذ بأنفاس قارىء القرآن ومشاعره ، فيزداد يقيناً وتصديقاً ، وصدقاً مع ربه الكريم ، وصدقاً مع الناس في دعوتهم إلى الله واليوم  الآخر وفي كل تعامل معهم ، إذ أن نقيض الصدق ، الكذب  والكفر والفسوق . يقول تبارك وتعالى في آيات جميلات الوقع في النفوس  الصافية ،  محدثاً عن صِحاب ٍ في مجلس ٍ من مجالسهم  في جنة الخلد يتذاكرون فيه أخبار الدنيا ، ونحن  نختصر بدءاً بكلام أحدهم : { قال قائل منهم إني كان لي قرين . يقول أإنك لمن المصدقين . أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمدينون . قال هل أنتم مطَّلعون . فاطَّلع فرآه في سواء الجحيم . قال تالله إن كدت لتردين . ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين . سورة الصافات الآيات 51 ـ 57 }

       ومطلبنا في هذه الآيات ، هو محور الواقعة ، التي تربط أحداثها بين الدنيا والآخرة وهو قول الكافر لصاحبه المؤمن : أإنك لمن المصدقين . إذ على التصديق أو عدمه يكون المصير إما إلى جنة إما  إلى نار .

       أما عن نتائج الصدق ، وما يترتب عليه من عطاءات وتوفيق وكشف وتجليات وكرامات وخوارق ، فالحديث طويل ، ومنه ما يقال، ومنه ما لا يقال . أما ما يجب قوله أو يجوز ، فهو ما كان بإذن من الله  تعالى للعارفين ، ذلك بعد أن تستقر نفوسهم عبر الرحلة الصعبة الميمونة ، فيحدثون أو يكتبون ما فيه نفع وسداد ورشاد للمؤمنين خاصة وللناس عامة . وأما ما يمنع قوله ، فهو ما كان في منزلة الأسرار  بين الله وبين أصفيائه  ، وهي أسرار لسببين : سبب اختصاص  تحت عنوان الآية الكريمة قوله تعالى : { وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون . سورة القصص آية 68 }  والسبب الآخر هو عدم قدرة الناس الذين لم يرتاضوا رياضة الصدق والتصديق تفرباً وتعبداً لله جل  ثناؤه ، على استيعاب أو حتى على قبول الكلام عن بعض الكشوف أو التجليات أو الكرامات التي يتفضل بها الله من واسع علمه وعظيم قدرته وجليل ألطافه ، ومن بروق جماله ، ورحابة ملكه وروعة مخبآته ... على عبد من فقراء عباده المطيعين  والمغمورين  في أكثر حالاتهم أو حتى في أسمائهم وكناهم ، إلا من أراد الله سبحانه إظهاره  في جانب من جوانب تميزه ، أو سبيل أو أكثر من سبل الدعوة إلى ربه ذي الجلال والإكرام .

       وقد يكون المتحاملون على أخبار العرفانيين ، من أكثر الناس إيماناً وعلماً ظاهرياً ، وصلاحاً وتقوى ، وإخلاصاً لله وجهاداً في سبيله ، وقد تكون منزلتهم عند الله في الدرجات العلى ، وقد يكونون حتى من الأنبياء والمرسلين . وأفضل مثال على عدم قدرتهم  على تحمل سلوك العارفين قصة موسى (ع) وعدم تحمله عرفان صاحبه العالم ، ثم قصة مريم (ع)  ملفتين إلى أن الله سبحانه رغم كل الكرامات التي ذكرها عنها أبقى أسرارً في مثل قوله تعالى : { وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيا . سورة مريم آية 25 }  يأتيها هذا الأمر ـ كما هو فهمه الظاهري ـ  فور ولادتها وهي نفساء ، أضعف ما تكون المرأة في هذ الحال . في وقت كان يأتيها طعامها جاهزاً وبدون أي علاج له أو عناء في تدبيره وإعداده : { كلما  دخل عليها  زكريا المحراب وجد عندها رزقاً  قال يا مريم أنىَّ لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب . سورة مريم آية 37 } يأتيها طعامها هكذا من عند الله الرؤوف الرحيم بها وهي بعد ، في كامل قواها ونشاطها ولم يكلفها من العناء شيئاً . فكيف يكلفها سبحانه مشقة هزِّ نخلة بغية  إسقاط بعض رطبها ، وذلك يلحق العياء  حتى بالرجل القويّ . ومن أجل إبداء  بعض كراماتها اتخذها بعض الأقوام إلـهة هي وابنها عليهما السلام ، ولذلك قال  سبحانه فيهما وإنما مركزاً على أهمية الصدق والتصديق في السيدة الكريمة العذراء { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت  من قبله الرسل وأمه صدِّيقة  كانا يأكلان الطعام  انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنىَّ يؤفكون . سورة المائدة  آية 75 } .

       وفي جملة العبر التي من أجلها سقنا هذا المثل ، نذكر أن بعض العرفانيين يدَّعون فهم قوله تعالى : { وهزي إليك بجذع النخلة ... } استبطاناً للآية ومفرداتها ، مع الحفاظ على حجية الظاهر . وذلك تفضل من الله عليهم وتخصيص لا يحط من شأن العلماء ولا حتى الأنبياء الذين لم يؤتهم الله سر لك . كما سنرى في قصة موسى وصاحبه عليهما السلام . ولكن يجدر بنا أن لا ننسى أن الله سبحانه آتى محمداً (ص) فوق نبوَّته وتكليفه بالرسالة  الميمونة الخاتمة ، أسراراً ، لم يبدها إلا لقلة قليلة جداً من أصحابه ، وفي مقدمتهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه الذي قال فيه : ( أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها ) لذلك يعتبر هذا الإمام الذي شغل الأولين والآخرين ، بصفاته الفذَّة ومناقبه الفريدة ، وعلمه وفقهه وقضائه وفروسيته وأسراره وزهده ، يعتبر  بحق إمام العارفين وإمام الصوفيين وإمام العابدين ، وقائد الغر الميامين .

       وقد عهد الإمام علي كرم الله وجهه بهذه الأسرار إلى ولديه الحسن والحسين عليهما السلام وإلى جملة أهل  بيته الميامين الأطهار  الذين قال فيهم الله عز وجل من فوق سابع سماء : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم  تطهيرا. سورة الأحزاب آية 33}  وقد ذكرنا ذلك وغيـره مفصـلاً في كتابنـا 

" الحكمة الإسلامية  ـ بحوث من مقتضيات العصر . " . إلا أنه لا بأس  بالتذكير هنا  ، بأبيات  لحفيد أمير المؤمنين (ع) ، هو الملقب بالإمام زين العابدين وهو علي بن الحسين  بن علي بن أبي  طالب  عليهم جميعاً أزكى الصلاة والسلام : حيث أن هذه الأبيات تلقي الضوء ، على ما يجب أن يحفظه أهل العرفان من أسرار ، سواء  كانوا بمستوى الأنبياء أو الرسل أو الأئمة أو أولياء الله الصالحين . وأن لا يبوحوا بذلك إلا لأهل الخاصة الذين هم أهل لحمل مثل هذه الأمانات وأهل لتصديقها  وعدم الإفتتان  بها .  يقول  الإمام زين العابدين عليه السلام :

إني لأكتم من علمي جواهره     كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

وقد تقدم في هذا أبو حســن      إلىالحسين ووصَّىقبله الحسنا

يا رب جوهر علم لو أبوح بـــــه      لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنــــا

ولاستحلَّ رجال مسلمون دمي     يرون  أقبـح  ما  يأتونـه  حسنـــا

       وهذه الأبيات  من أغنى الكلام الإنساني بالرموز والإشارات إلى لباب الحقائق العرفانية ، ولا سيما البيت الأخير  الذي يعرِّض بأدعياء الإسلام وأدعياء الإيمان الذين يرزحون  تحت أثقال البدع مكبلين بشباك  الضلالات  التي أبرزها الشرك الظاهر  والشرك الخفي . والشرك الخفيُّ فتح الله على  وليِّه أمير المؤمنين علي (ع)  بمقلاد من مقاليد مدينة العلم  ليقول فيه : " الشرك الخفيُّ أخفى من دبيب النمل في الليلة الظلماء  على الصخرة الصماء ." والله عزَّت  عظمته يقول  : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ... سورة النساء  آية 48 وآية 116 } .  وكفى بالله شهيدا .

       أما قصة موسى (ع)  مع صاحبه الرجل العارف الصالح ، فهي قصة غنية بالدروس  والعبر ، ونحن نعوِّل على عظيم أهميتها والحقائق  التي فيها لأنها قرآنية ، ونوجب التقيد بمضامين الآيات تفسيراً وتأويلاً ، ولا نسمي الرجل صاحب موسى الذي أمر الله موسى أن يتعلم منه ، لأن القرآن لم يصرِّح باسمه . ونحن الآن نذكر مقدمة الآيات ذات العلاقة ، متأملين  بمضامينها ، متعجبين من غرابة الحوار ، بين رجل اكتسحت شهرته الآفاق نبياً ورسولاً من لدن الله عز  وجل ، أرسله إلى فرعون مصر  وطواغيته ، يتحداهم ، ويذهلهم بخوارق المعجزات التي أجراها الله على يديه  ويقهر  بقدرة ربه العظيم غلوَّهم وكفرهم وسحرهم ، ويكلمه الله سبحانه  فيتلقى منه الألواح التي عرفت باسم التوراة . هذا الرجل،  موسى (ع) كليم الله يبعثه الله إلى رجل مغمور لا يعرفه أحد ولا يشعر به أحد وكان مع موسى فتاه الذي لم يسمه كذلك القرآن الكريم  ، يسأله موسى (ع) هل أتبعك على أن تعلمني مما علِّمت رشدا ، فيقول له :  إنك  لن تستطيع معي صبرا . الحق ، إن  ذلك من العجب العجاب . ولكنَّ مشيئة الله وحكمته وموازينه هي الأعجب وهي الأحكم  وهي الأرحم بغير قياس . وهذه هي مقدمة الآيات . قال تبارك وتعالى :

       { فوجدا  عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلَّمناه من لدنَّا علما . قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن ِ مما علِّمت رشدا . قال إنك لن تستطيع معي صبرا. وكيف تصبر  على ما لم تحط به خبرا . قال ستجدني إنشاء الله  صابراً ولا أعصي لك أمرا . قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا . سورة الكهف الآيات 65 ـ 70 } .

       هذه الآيات لا تحتاج إلى كبير  عناء لفهمها ، فوضوحها شاف ٍ كاف ٍ  ، ونحن نكتفي بهذا المقدار منها وقد حصلنا على المطلب ، وهو عدم تحمُّل موسى عليه السلام عرفان صاحبه ، وهو من هو عند ربه وبين أقرانه من الأنبياء والرسل . أما من يتشوق إلى بقية تفاصيل القصة ، فليرجع إلى سورة الكهف في القرآن الكريم ، وهنيئاً له تعلمه واعتباره .

       وأقصوصة ثالثة موجزة من سورة النمل نختم بها  بإذن الله فصلنا هذا  ، عن سليمان وعرش ملكة سبأ فقد جاء في التنزيل العزيز :

       { قال يــأيها  الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين . قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقويٌّ أمين . قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به  قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ... سورة النمل الآيات 37 ـ 40 } .

      المجلس مجلس سليمان  (ع) وفيه ما فيه من الجن والإنس وقاداتهم وعلمائهم وجبابرتهم ، وسأل سليمان من منهم يأتيه بعرش  ملكة سبأ ،  من اليمن إلى بيت المقدس . وهنا تقع المبارزة  بين القوة التي تكاد تكون خارقة والتي وهبها الله سبحانه لعفاريت الجن ،  والعفريت هو المارد القوي الداهية ، وبين العلم الذي  به أو ببعضه فعل صاحب موسى ما فعل  وبه قد تفتح أبواب السماوات لمن يريد الله  أن يصعده فيها في إسراء أو في معراج ، وهو وإن لم يكن بمستوى معراج محمد (ص)  ولا بغنى معراج  محمد (ص)  بالآيات الكبرى ، وإنما  يكون صورة من صوره ، ومنازل من منازله ، وبهذا العلم أو ببعضه أمكن لمن  يعلمه الله إياه أن يحبس مردة الجن في قماقم  وبهذا نفهم  قول الرجل العالم  الذي كان في مجلس سليمان  والذي جعله الله من أهل العرفان : { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك }  ونفَّذَ  قولـه  علـى الفـور   ،

{ فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي } . ذلك ما لم يقدر عليه سليمان (ع) وهو من هو  في عجيب ملكه الذي لا ينبغي لأحد من بعده ، والذي وهبه الله  إياه  بسبب تخلِّيه عن أجمل ماله وأغلاه ـ الصافنات الجياد ـ خشية من الله وتكفيراً عن تأخير فريضة صلاة عن ميقاتها . وذلك ما لم يقدر عليه المردة من أقوياء الجن ودهاتهم .

       ويبقى السؤال الذي لا بدَّ منه وهو : هل كل عارف أو عرفاني  يستطيع أو يعلم علم صاحب موسى ، أو صاحب سليمان . طبعاً لا ، فالعرفان ، عقلاً ، درجات هي رهن بقابليات  أصحابها ونسب صدقهم وتجردهم لطاعات الله سبحانه وتخليهم  عن الدنيا  وحفرياتها  ، وفخاخها وشباكها ، وحتى عن التطلع إلى نعيم  الآخرة ، حيث  يجدون في الله وحده حبهم ودنياهم  وآخرتهم ونعيمهم وجنتهم ، ومن الطبيعي أن يوجد بينهم فوارق من حيث مقادير  فهمهم لحقيقة التوحيد والألوهة ، من جهة ، ومن جهات أخرى  لتطبعهم على ما يحب الله ويرضى ، ويرضى ويحب من سلامة قلوبهم من الشرك ولله في خلقه شؤون وهو أسرع الحاسبين .

       أما نقطة الإنطلاق ، في الطريق الشائك ،  الذي ينتهي إلى الورديّ فاللاّزورديّ فالنوراني ، فنور على نور ، فهي الصدق والتصديق ، يعني أن يكون عبد الله من الصدِّيقين : { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون . سورة الحديد آية 19 } . والحمد لله رب العالمين  أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً كما حمد نفسه وكما شكر نفسه وكما ينبغي لكرم وجهه .

 

Home ] Up ] من مفاتيح المعرفة:الايمان بما نزل على محمد ] الدماغ-الزيتونة او المفاعل النووي المعجز ] حقيقة الادراك ] الانسان مثلث الانفس ] روعة الانسان بين العقل والنفس والدماغ ] روح القرآن:الدعوة الى الله ]

Send mail to info@islamicbrain.com with questions or comments about this web site. 
Copyright © 2003 Islamicbrain
Last modified: 02/05/07