| |||||||||||||||||||
|
|
المدنية أم الغابات التوازن الذي كان في الطبيعة ، لعقود خلت ، والذي دمَّره إنسان البندقية الأتوماتيكية ، إنسان المدنية المتحضر ، هذا التوازن ، لو قيض له أن يبقى ، لاستطاع الفلاسفة والمنظرون والمفكرون بحياة أرقى وبمخرج من فخاخ الحضارة ، لاستطاعوا ينسجوا على منواله تقليداً لشريعة الغاب ، التي صحيح أنها يستحيل أن ترقى أو تتماثل مع الشرائع التي أنزلها الله سبحانه للناس ، لفارق العقل بينهم وبين الحيوان ، إلاَّ أنها تبقى ـ أي الشريعة المنظمة للمجتمع الحيواني ـ أرقى وأسمى خلقاً من حضارة الزنا والفواحش والشذوذ الجنسي ، وقتل النفس التي حـرَّم الله بالمئات والألوف ، وقرصنة الدول والإرهاب المنظم ، وديمقراطية الأقوياء المزيفة . بعض العلماء اكتشفوا مؤخراً ، ولكن بعد فوات الأوان ، أن في الطبيعة توازناً مدهشاً ، لو كان بقي بدون عدوان عليه من قبل الإنسان ، لكانت سلمت البيئة من أخطار التلوث المفزع ، ولكانت سلمت الزراعة في جميع مستوياتها من حبوب وثمار وخضار . إلاَّ أن علماء النبات والحشرات والمناخ ، بعد أن ساهم فريق ما قبل الستينات منهم بتدمير هذا التوازن ، لا سيما بصيدلية الأدوية الزراعية التي تتضخم عاماً بعد عام ، وتتكاثر معها الأمراض في سبـاق أتعـب العلمـاء والمختبرات ، وأفقد الثمار طبيعتها الحلوة ، وروائحها الأصيلة الزكية ، وكذلك الخضار بمختلف أنواعها ، والبقر والغنم والدجاج ، كل ذلك أصبح وكأنـه يصنَّع في معامل كيماوية ، مما ينعكس حتماً على الإنسان ـ إلاَّ من رحم ربك ـ بالضعـف وعـدم المناعـة والأمراض الكثيرة التي تفاجىء الحضارة بتحديات وصـراع لا نهاية له ، ما دام إنسان الحضارة مصراً على أن يكون هو الإلـه ، وهو لم يتوصل بعد ، إلى أن يكون إنساناً حقيقياً كما اراد له الله عزَّ وجلّ ، الله الذي لا إلـه إلاَّ هو ، والذي وحده يجب أن يعبد ، أي أن يطاع ، لأنه الأقـدر بلا قياس ، والأعلم بلا قياس ، والأحكم بلا قياس ، وله الأسمـاء الحسنى ، وهو سبحانه قال في مثل ناس هذه الحضارة المعاندين المغرورين : { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ . وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ . أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ } . [ ( 77 ـ 81 ) : يـس ] . في الغابات ، يكفي ساكنها أن يأكل ويشبع من غير جنسه ، ولو تركها الإنسان في أمان من ناره وعدوانه ، وطمعه وجشعه ، فإن الرزق فيها وفير ، وحتى الأمن فيها أحسن ما يكون حالاً ، فالأسد آمن في عرينه ، والثعلب في وجاره ، والغزلان في مراتعها ، والطيور في أوكارها وعلى أغصانها ، فلا موت جماعي ، ولا تخمة ورفاه لملايين ، ولا مجاعات وموت بطيء لملايين ، ولا محاولة اجتثاث وإبادة لبعضها البعض ، فلا الجنس الواحد يبيد جنسه ، ولا هو يبيد أجناساً أخرى . وحده الإنسان الذي في غضب الله وفي لعنة الله ، والمدعي كاذباً أنه يعبد الله ، يحاول إبادة الإنسان الذي من غير ملته أو لونه أومشربه ، ويتفنن في تعذيبه وقتله والتمثيل به وارتكاب الفظائع بحق نسائه وأطفاله ، وحده الإنسان الجاحـد ربه ، المتحجر قلبه . لا ، لا يوجد صنف من الوحوش الضارية يفعل ولو شيئاً من ذلك كله . أما أن بعض الحيوانات تنفق أو تقتل في آجال معقولة ، وبأعداد معقولة ، فهي سنّة الله في الخلائق ، هو الموت الذي لا مفر منه ، فحتى في المدينـة الفاضلة ، التي هي حلم الفلاسفة والناس الطيبيـن ، لا بدَّ من المـوت . كل شيء في السمـاوات والأرض يميتـه الله ، يعني يحوِّلـه ويبعثـه من جديـد ، بموجـب سنن ونواميس إلـهية ، عندما يدركها الإنسان بكليتها ، بعد أن يكون أسجد جبينه لعظمة الله ، يسجد قلبـه ، وإذا كان أسجـد قلبه ، يسجـد معه جوارحه ، وإذا كان أسجد قلبـه وجوارحه ، يسجد كيانـه كله حتى الفناء ـ الذي بعده بفضل من الله ، الصحو بعد المحو ـ طاعة لله ، وتمجيداً لله ، وحبـاً بالله ، فيكون الله له العوض ، وما أكرم الله ، وما أعظم كرمه إذ يعوِّض علـى حبيب من خلقه ، بذل نفسه ـ وهي في الأصل ملك لله ـ في سبيل عـزة الله وجلاله ، وحاكميته وهيمنته ، ولطفه ورحمتـه ، وقربـه وحبـه ، سبحانه وتعالى عما يشركون . وما الله بحاجة لكل ذلك ، وإنما الإنسان هو المحتاج ، ولكن الله سبحانه يحـب لعبده التكامل ، والكمـال ، الكمـال الإنساني ، ولا يكون ذلك إلاَّ بالمجاهدة والبذل والتضحيـات : مجاهدة النفس ، ومجاهدة الباطل ، وبذل وتضحية أعزّ ما يملك الإنسان ، حتى نفسه يبذلها خالصة لله ، وفي سبيله ، عرفاناً وشكراً ، وشوقـاً إليه ، وحبـاً هـو الأسمـى والأصفـى ، والأشـرف والأقـدس ، فيما عـرف ويعـرف قلـب الإنسـان وعقلـه ، وسمعه وبصره، من أنواع الحب . |
Send mail to
info@islamicbrain.com with
questions or comments about this web site.
|