ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال انني من  المسلمين

 

                                         

 

 

 

 

شريعة الغاب ، أم شريعة الله في الغاب  :

      في الحقيقة ، ليست هي شريعة الغاب ، وإنما هو تنظيم رب العالمين المعجـز ، المحكم ،  الذي ، لولا  ضراوة  الإنسان ، ومعاصي الإنسان ـ أعني منه الظلماني وليس النوراني ـ لبقيت الغابات وشرائعها ، نموذجاً للبقاء المعتدل ، لا يطغى فيه التكاثر  ، ولا يجحف به الإنقراض  ، ونموذجاً للجمـال والحكمـة  المتعالية ، ولاستطاع الإنسان  ، لو كفَّ  عدوانيته عنها أن يؤاخي أشدَّها عتـواً وأكثرها وحشية . ولنظر إليها كيف ترتزق  ، فتعلَّم منها حسن التوكل  لا التواكل ، وشهامة  القناعة ،  والكف عن طلب  المزيد عند الشبع ، وعدم التخزين والاحتكار  المخلِّ باقتصاد الغابات ونواميسها ونظامها الرائع ، وعدم  الخوف من المستقبل  ، الذي يدبره الله  سبحانه ، كما دبَّر الماضي وكما هو يدبِّر الحاضر ، بقدرته ، وكرمه ، ورحمته ، وقيوميته ، وعينه التي لا تنام ، عن خلقه  في الغابات والصحارى ، والبحار  والأجواء ، فهل يا ترى ، هذه الفصائل من  الخلـق ، أكرم عليه من هذا الإنسان ؟ هو سبحانه يقول لا ، في الآيات كأنما اختص بتكريمه بني آدم  وحدهم  تحت هذه السماء . قوله عز وجـل وتبارك وتعالـى :   

                                                                                                                                                         

{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } . [ 70 : الإسراء ] .

        فالغابات والبحار ، والأجواء والقفار سخرها الله سبحانه لبني آدم وخلق لهم فيها الأنعام ، وعلَّمهم فدجَّنوها ، وهي لتاريخه وإلى قيام الساعة مصدر  أغنـى  غذاء  لهذا الإنسان المكرَّم عند ربه العظيم ، الحكيم الكريم ، وإضافة إلى ما فيها من فوائد جُلَّى ومتع للنفس والعين  :

       { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ . وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } . [ ( 5 ـ 8 ) : النحل  ] .

        وما أجمل هذه اللغة ، وما أبلغ حقائقها ، وإضافة إلى ذلك كله ، ينبغي الإلتفات إلى آخر الآيات هذه ، قوله تعالى : { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفي ذلك وعد لأن يخلق سبحانه خلقاً له صلة وثيقة بموضوع هذه الآيات ، خلقاً ليس لأولئك المخاطبين الأوائل بالقرآن الكريـم ، بل هو لأواخرهم ، نعني بـه  السيارات والقطارات والطائرات ، حيث يقال فيها كذلك : لكم فيها دفء  ومنافـع ... ولكم فيها جمال  حين تريحون  وحين تسرحـون ... وتحمـل أثقالكم  ...  إلى آخر المعاني  في الآيات الكريمة .

        ثم شجر الغابات التي فيها كذلك شريعته ، الشجر الذي كان رفيق الإنسان منذ القدم  وما زال وسيبقى من ضرورات الإنسان الأساسية ، وما أروع اختصار حقيقته ، حقيقة  هذا الشجر الذي هو من أجمل وأبهج وأنفع عناوين  الأرض ، في آيتين  كريمتين ، قوله تبارك وتعالى :

       { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } . [ ( 10 ـ 11 ) : النحل ] .

        نعم { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .

       ومن يتفكر يؤمن ويوقن ويمجد الله في عظمته وجلاله وجماله وقدرته المعجزة المطلقة  التي بغير حدود : أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم ... ومن  هذا  الماء 

كانت الغابات والبساتين  و { ..  حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } . [ 60 : النمل ] . من هذا الماء كان  الشجر والثمر والخضرة والظلال والجمال والحقول والوديان ، والهضاب والجبال المكسوَّة بالسندس المطعَّم والموشى  بما لم يستطع أن يلبس مثله لا الأكاسرة ولا القياصرة  ولا أغنياء العالم : من الأحمر والأزرق  والأصفر  وعدَّ ما راق لك من عشرات الألوان  والأنوار لنجوم الأرض  على مطارح السندس . نعم ، سبحانه وحده  وتبارك وتعالى ، ما أجمله وما أحلمه ، وما أغفره وما أرحمه ، فبرغم  كثرة ما فيكم من متجبرين  ومتكبرين  وأهل عمىً وضلالات وجرائم لا تغتفر ،  فقد {  أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً لَّكُم ...}  منه شراب ... ومنه شجر ... ومنه إضافة  إلى ما ذكرنا  ما تعجز عنه الأقلام وعبقريات الرسامين .

        فيا إنسان ،  يا أخي  ، كيف إذا كنت جانحاً  وعدواً  لنفسك ، كيف تعادي  ربك الله وهو بهذا الجلال والجمال والقدرة التي لا تطاول ، وهو سميع لك إذا طلبت منه ما يصلحك ، عليم بك ، ولا أكثر من أن تسأله العون فيعينك ، والمغفرة فيغفر لك ، والنجاة فينجيك  من مستنقع الإنحراف والعداوة  له ولنفسك ويرفعك ما حلَّقت  بجناحي عقلك وقلبك ، وقلبك وجوارحك :  وصدق الله الحبيب :     { .. إنَّ فِيِ ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } . [   3  :  الرعد  ]

{ .. فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } .     [ 46  :  الحج ] .

 

Home ] Up ]

Send mail to info@islamicbrain.com with questions or comments about this web site. 
Copyright © 2003 Islamicbrain
Last modified: 02/05/07