| |||||||||||||||||||
|
|
شريعة الغاب ، أم شريعة الله في الغاب : في الحقيقة ، ليست هي شريعة الغاب ، وإنما هو تنظيم رب العالمين المعجـز ، المحكم ، الذي ، لولا ضراوة الإنسان ، ومعاصي الإنسان ـ أعني منه الظلماني وليس النوراني ـ لبقيت الغابات وشرائعها ، نموذجاً للبقاء المعتدل ، لا يطغى فيه التكاثر ، ولا يجحف به الإنقراض ، ونموذجاً للجمـال والحكمـة المتعالية ، ولاستطاع الإنسان ، لو كفَّ عدوانيته عنها أن يؤاخي أشدَّها عتـواً وأكثرها وحشية . ولنظر إليها كيف ترتزق ، فتعلَّم منها حسن التوكل لا التواكل ، وشهامة القناعة ، والكف عن طلب المزيد عند الشبع ، وعدم التخزين والاحتكار المخلِّ باقتصاد الغابات ونواميسها ونظامها الرائع ، وعدم الخوف من المستقبل ، الذي يدبره الله سبحانه ، كما دبَّر الماضي وكما هو يدبِّر الحاضر ، بقدرته ، وكرمه ، ورحمته ، وقيوميته ، وعينه التي لا تنام ، عن خلقه في الغابات والصحارى ، والبحار والأجواء ، فهل يا ترى ، هذه الفصائل من الخلـق ، أكرم عليه من هذا الإنسان ؟ هو سبحانه يقول لا ، في الآيات كأنما اختص بتكريمه بني آدم وحدهم تحت هذه السماء . قوله عز وجـل وتبارك وتعالـى :
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } . [ 70 : الإسراء ] . فالغابات والبحار ، والأجواء والقفار سخرها الله سبحانه لبني آدم وخلق لهم فيها الأنعام ، وعلَّمهم فدجَّنوها ، وهي لتاريخه وإلى قيام الساعة مصدر أغنـى غذاء لهذا الإنسان المكرَّم عند ربه العظيم ، الحكيم الكريم ، وإضافة إلى ما فيها من فوائد جُلَّى ومتع للنفس والعين : { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ . وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } . [ ( 5 ـ 8 ) : النحل ] . وما أجمل هذه اللغة ، وما أبلغ حقائقها ، وإضافة إلى ذلك كله ، ينبغي الإلتفات إلى آخر الآيات هذه ، قوله تعالى : { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفي ذلك وعد لأن يخلق سبحانه خلقاً له صلة وثيقة بموضوع هذه الآيات ، خلقاً ليس لأولئك المخاطبين الأوائل بالقرآن الكريـم ، بل هو لأواخرهم ، نعني بـه السيارات والقطارات والطائرات ، حيث يقال فيها كذلك : لكم فيها دفء ومنافـع ... ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحـون ... وتحمـل أثقالكم ... إلى آخر المعاني في الآيات الكريمة . ثم شجر الغابات التي فيها كذلك شريعته ، الشجر الذي كان رفيق الإنسان منذ القدم وما زال وسيبقى من ضرورات الإنسان الأساسية ، وما أروع اختصار حقيقته ، حقيقة هذا الشجر الذي هو من أجمل وأبهج وأنفع عناوين الأرض ، في آيتين كريمتين ، قوله تبارك وتعالى : { هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } . [ ( 10 ـ 11 ) : النحل ] . نعم { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } . ومن يتفكر يؤمن ويوقن ويمجد الله في عظمته وجلاله وجماله وقدرته المعجزة المطلقة التي بغير حدود : أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم ... ومن هذا الماء كانت الغابات والبساتين و { .. حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } . [ 60 : النمل ] . من هذا الماء كان الشجر والثمر والخضرة والظلال والجمال والحقول والوديان ، والهضاب والجبال المكسوَّة بالسندس المطعَّم والموشى بما لم يستطع أن يلبس مثله لا الأكاسرة ولا القياصرة ولا أغنياء العالم : من الأحمر والأزرق والأصفر وعدَّ ما راق لك من عشرات الألوان والأنوار لنجوم الأرض على مطارح السندس . نعم ، سبحانه وحده وتبارك وتعالى ، ما أجمله وما أحلمه ، وما أغفره وما أرحمه ، فبرغم كثرة ما فيكم من متجبرين ومتكبرين وأهل عمىً وضلالات وجرائم لا تغتفر ، فقد { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً لَّكُم ...} منه شراب ... ومنه شجر ... ومنه إضافة إلى ما ذكرنا ما تعجز عنه الأقلام وعبقريات الرسامين . فيا إنسان ، يا أخي ، كيف إذا كنت جانحاً وعدواً لنفسك ، كيف تعادي ربك الله وهو بهذا الجلال والجمال والقدرة التي لا تطاول ، وهو سميع لك إذا طلبت منه ما يصلحك ، عليم بك ، ولا أكثر من أن تسأله العون فيعينك ، والمغفرة فيغفر لك ، والنجاة فينجيك من مستنقع الإنحراف والعداوة له ولنفسك ويرفعك ما حلَّقت بجناحي عقلك وقلبك ، وقلبك وجوارحك : وصدق الله الحبيب : { .. إنَّ فِيِ ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } . [ 3 : الرعد ] { .. فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } . [ 46 : الحج ] .
|
Send mail to
info@islamicbrain.com with
questions or comments about this web site.
|