| |||||||||||||||||||
|
|
قانون الهلاك والإهلاك :
من المعلوم في العرف الديني القرآني ، أن الأعمار مؤجلة بآجال ، أو موقوتة بمواقيت ، وذلك اعتماداً على آيات أشهرها قوله تعالى : { .. فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }(1) . والفهم الظاهري عند الناس عامة ، أن الإنسان لا يموت قبل أن يستكمل عمره المكتوب له ، لا يزيد عن ذلك ولا ينقص منه . والحقيقة هي غير ذلك . الحقيقة أن هناك عمراً مكتوباً أصلاً وهذا صحيح ، ولكن قد يطرأ على هذا المكتوب ، ما يكتب عليه أو يكتب دونه ، وهذا معنى الآية الكريمة . { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (2) . وفي قوله تبارك وتعالى : {.. وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (3) . تنبيه واضح إلى حقيقة أن عمر الإنسان المكتوب له أصلاً ، قد ينقص منه . طبعاً لأسبـاب تتعلق باعتقاد الإنسان وسلوكه تبعاً لهذا الاعتقاد أو خلافاً له . ويتضح الأمر أكثر فأكثر في قوله تعالى : { .. بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ }(4) . وقوله سبحانه : { .. هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ }(5) . ونحن نرى أن جميع الخلق يهلكون ، البـَرُّ منهم والفاجر ، والمؤمن والكافر ، فلماذا خصّص سبحانه بالإهلاك في الآية الأولى القوم الفاسقين وفي الثانية الظالمين ؟ ثم نقرأ في " غافر : آية 34 " ، قوله تبارك وتعالى عن يوسف عليه السلام : ــــــــــــــــــــــ (1) سورة الأعراف ، الآية 34 . (2) سورة الحديد ، الآية 22 . (3) سورة فاطر الآية ، 11 . (4) سورة الأحقاف ، الآية 35 . (5) سورة الأنعام ، الآية 47 . { .. حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا .. } (1) . وبالمقارنة ، ندرك أن الهلاك غير الإهلاك ، ونفهم من لغة القرآن أن الهلاك هو استكمال العمر المكتوب أصلاً تماماً وكمالاً ، وأن الإهلاك هو قطع العمر قبل أن يستكمل ، بسبب من كفر أو شرك أو إصرار على اعتقاد فاسد ، أو تكذيب الرسل ، أو تكذيب لما أنزل الله ، أو ظلم أو فسوق ، أو إصرار على كبيرة ، أو فساد أو إفساد في الأرض ، إلى آخر ما هنالك من مستَدعِيات الإضرار بالأنفس أو الأبدان ومعها سخط الله جلّت عظمته . على أن هناك استثناءاتٍ قد تندرج في مصاديق هذه الآية الكريمة قوله تعالى : { قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا }(2) . ونحن لم نحشد هذه الأدلة ، إلاَّ لنقرر ، بفضل منه سبحانه ، فائدةً مهمةً جداً في جملة الفوائد ، وهي أنه من يخرّب جسمه أو نفسه ، كلاً أو بعضاً ، بمحرم من المحرمات ، إنما يقرّب أجله بيده ، ويستعجل الموت قبل استكمال عمره ، مستدعياً نقمة ربه سبحانه ، ومتعرضاً لغضبه وعذابه . ولأجل هذا ـ من وجه من الوجوه ـ كان من فضل الله سبحانه ، تحليل الحلال وتحريم الحرام : تحليل الحلال من الطيب ، المندوب والمباح ، وتحريم الحرام مـمّا يدخل الجـوف أو الأنـف أو الرئتيـن ، أو مـمّا يغرّر بالنفـس أو يخبّلـها أو يلامـس ظاهر البدن ، من رجس أو نجس أو خبث
ــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سورة غافر ، الآية 34 . (2) سورة مريم ، الآية 75 . مخبّث ، أو حتى بفرح ومرح بغيـر حـق . وكل ذلك مـن عناصـر الإهلاك الدفعي أو التدريجي . وأفضل الدواء أو العلاج لذلك كله ، سلامة القلب من الشرك ، والترقي في فهم التوحيد ، وحسن التوجّـه إلى الله تبـارك وتعـالى ، وحسن التوكل عليه له الحمد . هذا لمن تتشكل عنده قناعـة يقينية بهذا الأمر ، علماً أنه عن طـريق العلاج ، قد يأذن سبحـانه ويتكرم بإصلاح ما فسد ، أو بترميم عضو مصاب بتأثير محرم من المحرمات ، مثل بعض الأشربة أو الأطعمة ، أو المشبوهات كالتدخين ، أو تعاطي أي منكر من المنكرات ، ممارسة أو نظراً أو سماعاً . أو الإفراط زيادة عن الحـاجة ، أو التفريط إخلالاً بتـوازن النفس والجسـم وإتزانهما . فإن الإنسان المصاب كليّاً أو جزئياً بشيء من ذلك كله ، يشفى ويرمّم بالتوبة النصوح ، والإيمان الواعي لمعاني التوحيد وعمل الصالحات : { قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }(1) . { إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا }(2) . وبالجملة ، فإن الله سبحانه وتعالى محيط بالجسوم والأنفس وبكل ذرة من الجسـوم ومن الأنفـس ، وبكـل جزيء من الذرة في الجسـوم والأنفس ، وكل شيء اشتمل عليه هذا الكون الذي لا يعلم أبعاده إلاَّ الله جلّت قدرته وعزّ شأنه : { .. أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ }(3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سورة يَس ، الآية 79 . (2) سورة الفرقان ، الآية 70 . (3) سورة فصلت ، الآية 54 . { لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }(1) . { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }(2). { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ .وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ }(3) . ـــــــــــــــــــــــــــــ (1) سورة سبأ ، الآية 3 . (2) سورة الزمر ، الآية 62 . (3) سورة الشعراء ، الآية 78 ـ 82 . |
Send mail to
info@islamicbrain.com with
questions or comments about this web site.
|