| |||||||||||||||||||
|
|
الدماغ يزيد وينقص :
كما رأينا بخصوص المفاعل الذي هو المخ ، فإن الفارق التقريبي بين وزن دماغ الإنسان ومتوسط دماغ القردة العليا هو 1360 ـ 360 = 1000 غراما لمصلحة الإنسان ، أي بنسبة واحد عند القردة العليا إلى أربعة أمثال عند الإنسان المتوسط . بشر تحولوا إلى قرود :
العجيب في أنصار نظرية النشوء والتطور ، أنهم انطلقوا من الإصرار على فكرة أن التحول يكون دائماً إلى الأرقى ، والحقيقة أنه ليس دائماً كذلك إذ يقابله ـ وهو تحويل وليس تحولاً ـ أن يكون أيضاً من الأرقى إلى الأدنى . والكون كله يديره ربه رب العالمين ، ويدبره بنواميس ، أحدها هو هذا التحويل من الأدنى إلـى الأرقـى ومـن الأرقـى إلى الأدنـى ( يتضمنـه نامـوس آخر هو ناموس الجزاء ) أما الأمثلة عن التحول من الأدنى إلى الأرقى فقد اهتم بها اهتماماً بالغاً أصحاب نظرية النشوء والتطور . فكفونا مؤونتها ، على أنهم رأوا بالعين الواحدة ، ولا نقول نصف الحقيقة ، لأن رؤيتهم بالأساس ظنية . وقد تبين لدى العلماء الذين لهم نفس الاختصاصات ، أن هذا الظن ـ دارون(1) ومدرسته ـ خاطىء . والقاعـدة في علـم المنطـق : إن الانطـلاق من نقطـة خطأ ، وإن هي مرّت بحيثيات صحيحـة ، إلا أنها تنتهي إلى الخطأ ، إلى نتيجة خطأ . أما التحويل من الأرقى إلى الأدنى ، فأمثلته كثيرة ، وهي أيضاً من أفواه أهل الاختصاص وتحقيقاتهم ، ويكفي هنا أن نورد بعضها ونوجز ، إذ الأمر يقتضي إذا أسهبنا ، تخصيص بحث مستقل ومستفيض ، في هذه النظرية المعاكسة التي نحن بصددها .
ففي المجال العلمي ، إن علماء النبات لديهم الكثير من الوقائع التي تثبت حالة التراجع في شتى أنواع النباتات ، إذا تركت بدون عناية في الاستنبات ، وإضافة إلى ذلك فإن أجيـال النبات تختلـف كلما بعـدت عن الجيـل الأول ( السوي العملاق ) حتى ليخرج منها المتناقضات بين عمالقة النبات وأقزامه ، من الفصيلة الواحدة ، وكذلك عند علماء التناسل ، وعلماء الوراثة ، فعندهم تقارير ودراسات مفصلة في مجالي التراجع والتقدم النوعيين . ثم أخيراً وليس آخراً ، في مجال الفلك والأجرام السماوية ، والحديث الحامي عن القانون الثاني للحرارة الديناميكية Second law of thermo dynamics ، وموجـزه أن الحـرارة تنتقـل مـن وجـود حـراري ، إلى عـدم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) داروين Darwin ) ) ( 1809 ـ 1882 ) عالم طبيعي إنكليزي أسس نظرية التطور التاريخي للعالم العضوي . له كتاب " أصل الأنواع .. " فصَّلَ فيه القضايا الأساسية لنظرية التطور . له كتاب " سلالة الإنسان والانتخاب بالنسبة للجنس " ( 1871 ) عرض فيه انحدار الإنسان من الأسلاف الحيوانية ( الموسوعة الفلسفية ص 175 ) . حراري . وهذا معناه أن توهج النجوم يتراجع حتى الإنطفاء ، وحتى تتساوى حرارة جميع الموجودات ، وبذلك تنعدم كفاءة عمل الكون ، وتنعدم معها كل مظاهـر الحياة . فهل هذا التراجع المتدرج من حيث الكفاءة ثم الانطفاء العام ـ طبعاً البحث في العالم المرئي في حال إيصال هذا القانون إلى غايته القصوى ـ هل هذا يعني سوى التحويل من الأرقى إلى الأدنى . وواجبة هنا، وقفة تصحيحية ، فبعض العلماء ، ومعهم كثيرون ، يربطون قيام الساعة بهذه القاعدة العلمية ، وهم يقدرون لهذا الأمر الذي فيه الإنطفاء والدمار الكوني ـ حسب تعبيرهم ـ ملايين السنين . وهذا ما يرده القرآن المجيد ، رداً دامغاً ـ وهو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ متبوعاً بفضل الله ، بتأييدات الكشوف الحديثة في كتاب الكون ، والبراهين العقلية . وخلاصة القول فيه أن علم الساعة غيب له مقدمات يظهرها الله سبحانه لخاصة أوليائه ، ليظهروها بدورهم للناس في وقتها ، وقد سماها أشراطاً ، وهي إذا بدأت بالتحقق ، وجب على الناس الاستنفار توقعاً لتكاملها ومباغتة الساعة تبعاً لهذه الأشراط . وواقع الحال أن النذر الأولى قد ظهرت بقوة ووضوح في هذا العقد الأخير من هذا القرن العشرين ، وهي راهنة جلية لكل من ألقى السمع وهو شهيد :
{ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا }(1) . وسنفـرد لها فصـلاً خاصـاً في هذا الكتـاب ، إن شاء الله الحليم الكريم . ثم عوداً على بدء فإن العقل الإسلامي يتلو في القرآن الكـريم قولـه تعالى :
ـــــــــــــــــــــــــــ (1) سورة الفرقان ، الآية 11 . { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }(1) . هذا العقل يمر على المجلدات التي صنفت في نظرية ( النشوء والتطور التي تقول إن الإنسان كان قرداً ) وأحدثت ثورة تشكيكية في أكثر من نصف العالم ولأكثر من مائة سنة وما زالت .. هذا العقل يمر بها موقناً بما آتاه الله سبحانه مطمئناً ، غير عابىء بلغوهم وتزويرهم للحقيقة ، ويرتـل قـول الله تعالى : { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا }(2). ثم يتلو قول الله عز شأنه مخاطباً بني إسرائيل : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ . فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفـَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }(3). وأيضاً : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ }(4) . وكذلك : { فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ }(5) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سورة النحل ، الآية 89 . (2) سورة الفرقان ، الآية 72 . (3) سورة البقرة ، الآيتان 65 و 66 . (4) سورة المائدة ، الآية 60 . (5) سورة الأعراف ، الآية 166 . من هنا من مضمون هذه الآيات الثلاث ، نجد أن الإنسان الواردة صفاته في هذه الآيـات يحـول من الأرقـى إلـى الأدنـى ، من واقعـه الإنساني إلى واقع آخر بهيمي ، يعني أن هذا الإنسان يخرج من النوع ويدخـل في الدرجـة . فمن المعاني الجليلة المتقدمة في الآيات الكريمـة ، نستنتـج حقيقـة أن يخرج الإنسان من أصـل النوع خروجـاً اختيارياً يترتب عليه التحويل ونوع الجزاء : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا }(1) . فمن قوله تعالى ( ذكر ... فأعرض ... ) نفهم أن خروج الإنسـان الذي أعرض عن آيات الله ، يعني رفض أن يعْقـل ، وهـو خروج اختيـاري عن أصل نوعه العـاقل ، وإنما يترتب عليه أن يجعـل الله تعالـى ، على قلب الخارج المعرض ، كِناً وفي أذنيه وقراً . وبقية الآية الكريمة : { وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } فيها الخطر الأكبـر : يبـدأ بالإعـراض عن آيات الله تبـارك وتعـالى ، ثم يتدرج سفـراً في البهيميـة إلى غير رجعة ، والعقل في هكذا حـال يأخـذ بالتراجع حاملاً معـه النورانية ، حيث تظلم النفس في المقابل تدريجياً ، إلى أن تنقطـع عن المدد الإلهي وتصبح مقفلـة مثقلة بأرجاسها . والواقع الملموس انطلاقاً من فكر التوحيد ، أن الناس فريقان : فريقُ كُفْرٍ على درجات ، وفريقُ إيمانٍ على درجات . والكلام عن العقل ، فيما كتبه أهل الفكـر ، كثير ، ولأنه ظني وافتراضي فمعظمه مردود ، وعن فرضية أن الدماغ هو العقل ، أو أن الدمـاغ ـــــــــــــــــــــــــ (1) سورة الكهف ، الآية 57 . وحده هو مركزالعقل ، مردود كذلك ، وسنفند ذلك بالحجة والبرهان في موضعه المناسب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى . أما الدماغ وكلية الجهاز العصبي في مجال التشريح ، فقد بذلوا فيه جهوداً رائعة ، وكشفوا عن آيات مجيدة ، وحيث تشعبت فيه حقـول الاختصاص ، ففي كل حقل نشطت مختبرات علمية ، وكتب مختلفة الأحجام تتلقف منها الموسوعـات العلمية أهم ما فيها ، وسنذكر أيضاً في الموضع المناسب إن شاء الله أحدث وأهم اكتشاف في مجال الغيبيات ، على يد جراح شهير مختص بجراحة الدماغ والكتلة العصبية . أما ما يجب أن يقال ، هو أن كل فقرة علميـة في هـذه البحـوث هي مدهشة مذهلة ، ليس عجيباً إذا أدركها الصخر الأصم ، أن يخر ساجـداً لعظمة الله ، خاشعاً خاضعاً هاتفاً من أعماقـه : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، والله أكبر ، وتبـارك الله الخلاق العظيم ، والحمد لله حمداً لا ينقطع ، حمداً خالداً بخلوده ، وأن يتلو قول الله جلت قدرته : { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ }(1). هذا مع خبر يكشف رائعة من روائع الخلق ، بخصـوص الدمـاغ والجهاز العصبي أو في مجال الإنسان كله ظاهراً وباطناً ، ونفساً وبدنـاً فضلاً عن مجـالات الأرض الدوارة ، والكواكـب المسـافرة أبداً في مداراتهـا كالمغازل الهائلـة وعليها حضـارات جميلـة كريمـة ، وعليها شقاء وبقاء في الشقاء . وإذا كانت هذه الدهشة ، مع كل خبر يكشف عن سر أو لغز أو رقـم يدخل بحسبان و { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ }(2) . فكيف يكون الحال أمام كلية أسرار الدماغ والقلب ، وهذا أمير البدن ، وأكرم وأنبل عضو فيه ، وذاك ــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سورة لقمان ، الآية 11 . (2) سورة الرحمن ، الآية 5 . عرشه وعاصمته ورافد مؤسساته . كيف يكون الحال مع كشف الإنسان المتكامل ، روحاً وأنفساً في ذات واحدة ، وبَدَناً هو بيت النفس يظلم إذا أظلمت ويشرق إذا أشرقت ، ولا استقلال أبداً عن عناية الله وحكمته . هذا الإنسان الذي حمّله ربّه الأمانة جملة وتفصيلاً ، وجعله كنز معارف وعلوم ، وحثه على سبر أعماق هذا الكون وأبعاده والإلمام بحقائقه وروائعه ، التي هي آثار عظمته سبحانه ، فاطر السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن رب العرش العظيم . { قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولـُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ . قُـلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبـْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ . قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ }(1) صدق الله العظيم . |
Send mail to
info@islamicbrain.com with
questions or comments about this web site.
|