ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال انني من  المسلمين

 

                                         

من المهيمن على الكون واسراره لماذا يذل الانسان نفسه بالمعصية الناس مروا بتجربة المعصية قبل هذه الحياة

 

 

 

 

الرحمة هي الغاية من خلق الانسان ..

وهو اختار نهايته

       

كما رأينا من بعض التأمل في فكر التوحيد ، أن الله عز وجل ، هو الغني بذاته عن جميع مخلوقاته . وأنه هو وحده الخير المحض ، الذي لا يصدر عنه إلاّ الخير والحق والجمال .

فلماذا إذاً خلق الله هذا الإنسان الشقي المتعب ، المعذب ، كما هو ظاهر حاله في تاريخه الطويل ؟

ثم يا نوح ويا إبراهيم ، ويا موسى ، ويا عيسى ، ويا محمد ، سلام الله  عليكم ،  وعلى من سبقكم وعلى من لحق بكم من أنصار الله وأحبائه وأوليائه ، هل كنتم أشقياء متعبين معذبين ؟

وهل الشقاء حالة عامة ، تلازم جميع الناس ، وفي جميع مراحل حياتهم ؟ يبدو أن الأمر ليس كذلك .

فهنالك الذين غنوا ورقصوا وضحكوا .. وما زالوا يغنون ويرقصون ويضحكون .. ولو كان ورد في كتاب الله قوله عز وجل :

{ ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ . ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ .. }(1) .

ــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة غافر ، الآية ( 75 ـ 76 ) .

        إلاّ أنه سبحانه لم يترك أهل الدنيا يهنأون كما يشاؤون بدنياهم . فلذلك كثيراً ما عبر الإنسان وما زال ، عن ضيقه وحزنه ومراراته ، شعراً ونثراً وما بين الشعر والنثر في حياته العملية ، بين زفرة وحنين ، وتوجع وأنين ، وكذلك عبَّر عن فرحه ومرحه ، بالكلمات والأصوات والحركات ...

        ولكن هناك حالة ثالثة ، بين هاتين الحالتين ، هي حال أهل الإعتدال ، الذين هم مصاديق قوله تبارك وتعالى : { لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ .. }(1) .

       إلا أن خلاصة القول التي تكاد تكون  على كل لسان ، كلمة أبي العلاء المعري في داليته : تعب كلها الحياة ...

        وهل الله سبحانه أقر بعض هذه المعاني ؟ قوله تعالى :

       { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى . فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى . وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى .وَمَا  يُغْنِي عَنْهُ  مَالُهُ  إِذَا  تَرَدَّى  }(2) .

       وهي آيات واضحات المعاني ، إن سعي الإنسان مختلف بين السلب والإيجاب ، فأهل الشمائل الحسنة والصدق مع الله ، ميسورو الحال ، وأهل البخل والأنانية ، وعدم الثقة بالله ، وبوعد الله ، وصنيع الله ، يلزمون السبيل الذي اختاروه . وهل يؤدي إلاّ إلى الشقاء . وهل فيه ما يغني عن رحمة الله سبحانه ؟ .

وفهمنا لقوله عز وجل :  { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى .. } وما بعدها ، يحُلُّ لنا الغموضَ الذي في الآية الكريمة :

{ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ }(3).

ـــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة الحديد ، الآية  23 .           (2)     سورة الليل  ، الآيات ( 4 ـ 11 ) .

(3)      سورة هود  ، الآيات  ( 118 ـ 119) .

 

مختلفين في الدين ، مختلفين في السبل السلبية ، يتعرض لهم الله سبحانه برحمته ، يلاحقهم  بها من البداية إلى النهاية ، فيعرضون عنها مستكبرين  . إلاّ فريق أقام وجهه للدين حنيفاً ، فكان حقيقاً بهذه الرحمة ، يستقبلها بعقله ووجهه وقلبه وكل جوارحه .

فالغاية من خلق الله سبحانه وتعالى للناس ، هي الرحمة .

أما ما يقال أيضاً عن أن الغاية إنما هي العبادة ، استفادة من قوله عزّ وجل :

{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }(1).

فبأيهما نأخذ ؟ بكون الغاية من خلق الله تعالى للناس ، هي الرحمة من قوله عز وجل :

{ ... إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } .

أم بكون الغاية من خلقه تعالى للناس ، هي عبودية الناس له ؟

الواقع أن الغاية واحدة . كيف ؟

أساس العبادة الحقة ، التوحيد ، وهنا سر  الرحمة :

{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }(2) .

والمثل تصوير لطيف وبليغ لحالة رجل يتعامل مع مجموعة شركاء كلهم له عليه سلطان ، فهو مضطر لخدمة الجميع ، وإرضاء الجميع وطاعة الجميع ، وهذا محتمل نسبياً لو كان لهم مزاج واحد وشخصية واحدة ، إلاّ أن الواقـع غير ذلك ، فما دامـوا شـركاء ، فهـم  على إختـلاف أمزجتهم وتطلعاتهـم ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)      سورة الذاريات  ،  الآية  56 .

(2)      سورة الزمر ،  الآية  29 .                  

سينـزع كل واحد منهم منـزعاً يؤدي بالضرورة  إلى التشاكس  ، وبالضرورة سيكون هذا الرجل بينهم ممزق النفس متحيراً فاقداً  لحقيقة الحرية ، إذا أحبًّ واحداً  غضب الباقون ، وإن أطاع واحداً ، اتهمه آخر بمعصيته ، وهكذا  إلى حالات من التباين معهم لا تنتهي  . فهل يستوي وضع هذا الرجل ، مع أخ له لا يتعامل مع مجموعة شركاء ، وإنما يتعامل مع رجل واحد ، تعاملاً فيه السلام والثقة والطمأنينة ..  والأمن والأمان والمحبة ، والسعة مدى  الحياة ..  كذلك عبادة الله الحبيب الواحد الأحد .

        فالإسلام لله  وحده ، والعمل بتعاليمه وقوانينه ، يوصل الإنسان بقدر ما يؤمن ويجاهد ثم يوقن ويجاهد ، ثم يتقي ويجاهد  ، ثم يحب ويجاهد ، ويجعل حبه خالصاً لله وحده له الحمد ، بقدر ما يحظى برضى الله  ورضوانه . فلا غفلة ولا ألغاز ولا أسرار ، فإن بقي منها أشياء  ، فإنها ستكشف له يوم  القيامة ، يوم يقال له :

       { لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }(1).

       فإذا كانت العبوديـة للخلاق العظيم ، عملاً بتعاليمه وقوانينه وقرآنه المجيد ، واقتداء بمحمد صلى الله عليه وآله  الذي هو رحمة للبشرية ، إذا كان كل ذلك الذي يوصل إلى الفوز المبين ، ليس رحمة ، فما هي الرحمة إذن ؟ هل الذلة والتمزق بين تحكم المخلوقين وأمزجتهم ، أم هي الفوضى والفلتان ، والإندفاع بدون كوابح نحو الهاوية .

 

       { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ }(2) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      سورة قَ  ،  الآية  22  .

(2)      سورة الروم  ، الآية  12 .

Home ] Up ] من المهيمن على الكون واسراره ] لماذا يذل الانسان نفسه بالمعصية ] الناس مروا بتجربة المعصية قبل هذه الحياة ]

Send mail to info@islamicbrain.com with questions or comments about this web site. 
Copyright © 2003 Islamicbrain
Last modified: 02/05/07